
كيف تحولت النبوَّة إلى سيادة؟!
من موسى إلى إسرائيل..
شيرين قسوس
حين نقرأ تاريخ إسرائيل من خلال المنهج الذي وضعه سبينوزا في رسالة في اللاهوت والسياسة فإننا نغادر عالم الأساطير السياسية وندخل عالم التاريخ الفعلي، حيث لا تقوم الدول على المعجزات بل على القوة والتنظيم والمصلحة والقدرة على تحويل الجماعة البشرية إلى كيان سياسي قادر على البقاء. في هذا المنظور لم تبدأ القصة مع دولة، بل مع جماعة مشتتة تعيش على هامش القوى الكبرى. لم يكن العبرانيون شعبًا موحدًا بالمعنى السياسي، بل جماعة خرجت من تجربة العبودية وهي تحمل ذاكرة مشتركة أكثر مما تحمل مشروعًا مشتركًا.
وهنا يظهر موسى، لا بوصفه نبيًا فحسب، بل بوصفه المؤسس الأول لمشروع سياسي طويل العمر. فسبينوزا يقرأ موسى باعتباره رجل دولة أدرك أن الجماعات لا تتوحد بالقرابة وحدها ولا بالعقيدة وحدها، بل بوجود قانون مشترك يربط مصير الجميع ويخلق ولاءً أعلى من ولاء العشيرة والقبيلة. لقد فهم موسى أن السلطة البشرية وحدها لا تكفي لبناء أمة. فالحاكم الذي يستند إلى شخصه يمكن أن يُعارض ويُنافس ويُسقط، أما الحاكم الذي يجعل مصدر سلطته متجاوزًا للبشر فإنه يمنح نظامه قوة استثنائية. لذلك لم يقدم الشريعة باعتبارها أوامر سياسية وضعها قائد بشري، بل باعتبارها قانونًا إلهيًا ملزمًا للجميع. ومن هنا نشأت العبقرية السياسية للمشروع الموسوي؛ إذ تحولت الطاعة السياسية إلى واجب ديني، وأصبح الخروج على النظام خروجًا على الإرادة الإلهية نفسها.
لم تكن الشريعة في هذا السياق مجرد نصوص أخلاقية أو شعائر تعبدية، بل كانت دستورًا كاملًا لتأسيس جماعة سياسية جديدة. فقد نظمت العلاقات الاجتماعية، وحددت الواجبات والحقوق، وربطت أفراد الجماعة بتاريخ مشترك ومصير مشترك. والأهم من ذلك أنها صنعت شعورًا جماعيًا بالتميز والاختلاف عن بقية الشعوب. ففكرة “الشعب المختار” لم تكن مجرد عقيدة روحية، بل أداة سياسية هائلة ساعدت على خلق وحدة داخلية صلبة وشعور دائم بأن لهذه الجماعة مهمة تاريخية خاصة. ولم تكن الأرض الموعودة مجرد هدف جغرافي ينتظر الوصول إليه، بل كانت مركز المشروع بأكمله. فالشعوب لا تُبنى على الذكريات فقط، بل تحتاج إلى أفق مستقبلي يوحد حركتها. ولهذا تحولت الأرض إلى رمز جامع يجمع بين العقيدة والسياسة والهوية.
لقد كان موسى يؤسس، في نظر سبينوزا، لفكرة أمة مرتبطة بقانون واحد وأرض واحدة وذاكرة واحدة، وهي العناصر التي تشكل أساس أي دولة قابلة للحياة. غير أن القوة التي صنعت الدولة حملت معها بذور ضعفها. فحين تصبح الدولة مقدسة يصبح نقدها صعبًا، وحين يتحول القانون إلى عقيدة مغلقة يفقد المجتمع قدرته على مراجعة نفسه.
لقد استطاعت المملكة العبرانية أن تتوسع وتستقر ما دامت الوحدة السياسية قائمة، لكنها بدأت تتفكك عندما تحولت السلطة إلى ساحة صراع بين النخب والقبائل والمصالح المتنافسة. وعندما انقسمت المملكة إلى مراكز متصارعة لم تعد القداسة قادرة على إنقاذها. فسقطت أمام القوى الإقليمية الأكبر منها، وتحوّل الشعب الذي اعتبر نفسه شعبًا مختارًا إلى جماعات موزعة بين المنافي والإمبراطوريات.
هنا يقدم سبينوزا واحدة من أكثر أطروحاته جرأة. فبقاء اليهود بعد سقوط دولتهم لم يكن معجزة سياسية، بل نتيجة نجاح المشروع الموسوي نفسه. لقد انهارت المملكة، لكن البنية التي أسسها موسى بقيت حية. ضاعت الأرض، وسقطت الجيوش، وتفككت المؤسسات السياسية، لكن القانون والعادات والذاكرة المشتركة استمرت في أداء وظيفتها. وهكذا تحولت الشريعة من أداة لتأسيس الدولة إلى أداة لحفظ الجماعة بعد انهيار الدولة. وعلى امتداد قرون طويلة عاش اليهود داخل دول الآخرين. لم تكن لهم سيادة سياسية ولا جيوش ولا حدود، لكنهم امتلكوا شيئًا أكثر رسوخًا من الحدود؛ امتلكوا سردية تاريخية متصلة تبدأ بالخروج من مصر ولا تنتهي بسقوط أورشليم. لقد حافظوا على صورة الجماعة حتى في غياب الدولة، وهي ظاهرة نادرة في التاريخ السياسي للشعوب.
وحين دخل العالم عصر القوميات الحديثة في القرن التاسع عشر، وجدت الحركة الصهيونية أمامها إرثًا جاهزًا للبناء عليه. لم يكن عليها أن تخترع شعبًا جديدًا أو ذاكرة جديدة، بل أعادت توظيف العناصر التي تأسست منذ عصر موسى. فالشعب المختار أصبح أمة قومية، والأرض الموعودة أصبحت مشروعًا استيطانيًا وسياسيًا، والحنين الديني تحول إلى برنامج عمل سياسي يسعى إلى استعادة السيادة.
ومن هنا فإن الصهيونية، وفق قراءة يمكن استلهامها من منهج سبينوزا، لم تكن مجرد استمرار للدين القديم ولا مجرد حركة قومية حديثة. لقد كانت عملية تحويل هائلة للذاكرة إلى سياسة. فقد جرى استدعاء آلاف السنين من الرموز والأساطير والتقاليد لكي تؤدي وظيفة سياسية معاصرة. وهكذا عاد التاريخ العبراني القديم ليصبح أحد أهم مصادر الشرعية للمشروع الحديث.
إن إعلان قيام إسرائيل عام 1948 لم يكن حدثًا منفصلًا عن هذا المسار الطويل. لقد كان تتويجًا لمسار بدأ بمحاولة موسى تحويل جماعة من العبيد إلى أمة، ثم مرّ بسقوط الدولة وبقاء الجماعة، ثم انتهى بمحاولة إعادة تحويل الجماعة إلى دولة من جديد. لكن إسرائيل الحديثة ليست إعادة إنتاج بسيطة للمملكة القديمة، بل هي دولة قومية حديثة تمتلك مؤسسات وجيشًا واقتصادًا وتحالفات دولية، حتى وإن كانت تستمد جزءًا من شرعيتها الرمزية من ذاكرة تعود إلى آلاف السنين.
وهنا تتجلى المفارقة التي تحكم إسرائيل حتى اليوم. فهي من جهة دولة حديثة تتحدث بلغة الأمن والمصالح والاستراتيجية والقانون الدولي، ومن جهة أخرى تستند إلى سردية تاريخية تجعل حاضرها امتدادًا لماضٍ سحيق. وكلما غلب الوجه السياسي بدت كأي دولة أخرى في العالم، وكلما غلب الوجه التاريخي والديني عادت أسئلة الشرعية والهوية والحق التاريخي إلى قلب الصراع. ولو طبقنا منهج سبينوزا حتى نهايته المنطقية لوجدنا أن القضية لا تتعلق بصحة الروايات المقدسة أو بطلانها، بل بقدرة الجماعات على تحويل الأفكار إلى مؤسسات، والذكريات إلى قوة سياسية، والأساطير المؤسسة إلى أدوات لصناعة التاريخ. فموسى، في النهاية، لم ينجح لأنه امتلك جيشًا عظيمًا أو ثروة هائلة، بل لأنه وضع الأسس النفسية والقانونية والرمزية لكيان استطاع أن ينجو من سقوط دولته وأن يعود بعد قرون طويلة للمطالبة بدولة جديدة.
وهكذا تبدو القصة كلها، من موسى إلى إسرائيل اليوم، قصة انتقال مستمر بين الدين والسياسة، بين الجماعة والدولة، بين الذاكرة والقوة. إنها ليست قصة شعب خرج من قوانين التاريخ، بل قصة مشروع سياسي طويل بدأ ببناء هوية قبل بناء دولة، واستطاع أن يحافظ على تلك الهوية حتى جاء الوقت الذي تحولت فيه الذاكرة مرة أخرى إلى سيادة، والفكرة إلى دولة، والأسطورة المؤسسة إلى واقع سياسي يغير وجه المنطقة حتى يومنا هذا.
المصدر




