أخبار

طين يبتلع السيول.. حل لغز السلوك المائي “الغامض” في البتراء

#سواليف

عندما تهطل الأمطار على مرأبين للسيارات، أحدهما ذو أرضية خرسانية ملساء، والآخر أرضيته مغطاة بالحصى، سيكون سلوك الماء مختلفا في الحالتين، إذ سيجري الماء فوق السطح مباشرة نحو الشارع ويسبب تجمعات مائية في الحالة الأولى، بينما يتسرب في الحالة الثانية بين الحصى إلى الأسفل، بدلا من الجريان فوق السطح.

بالمثل، فإن التربة خلف مدرجات البتراء الأثرية بالأردن تعمل بطريقة مشابهة للمرأب الثاني، إذ تمتص مياه السيول وتخزنها بباطن الأرض، وهو سلوك مائي غامض، ينافي ما هو معروف عن طبيعتها كتربة طينية.

وفي فيزياء التربة التقليدية، يُتوقع أن تعيق التربة الطينية الغنية ذات الحبيبات الدقيقة حركة الماء بشكل كبير نظرا لصغر حجم مسامها وقدرتها العالية على التشبع، حيث تعمل مثل الإسفنج المشبع أو العجين الكثيف، الذي يحتفظ بالماء ويمنع تسربه بسرعة، إلا أن الرواسب المحتجزة خلف مدرجات البتراء تُخالف هذا التصور، إذ تحتوي التربة على نسبة عالية من الطين، وصلت إلى 45-55% في العديد من المواقع، لكنها رغم ذلك، تحافظ على معدلات تسرب مياه عالية بشكل استثنائي، وهو اللغز الذي حير العلماء لعقود، حتى تمكن فريق بحثي من الجامعة الألمانية الأردنية  يضم العالمين، الدكتورة كاترينا حمارنة والدكتور نزار أبو جابر من حله مؤخرا خلال دراسة نشرت بدورية “لاند” (Land).

  • 58676874 1781852474

نظام المدرجات في أحد مواقع البتراء " الفريق البحثي"
المدرجات تحولت طبيعياً إلى مصائد للغبار والأتربة الناعمة التي تحملها الرياح (الفريق البحثي)

طين بمواصفات خاصة

وتقول كاترينا في تصريحات للجزيرة نت: “وجدنا أن الآلية الأساسية التي تُسهل هذا السلوك غير المألوف هي أن التربة في البتراء تحتوي بالإضافة إلى الطين على هيكل خشن من الحصى والحبيبات الكبيرة، كما أن الطين هناك لا يكون موزعا كحبيبات منفردة، بل يتجمع في كتل صغيرة تسمى “المداميك الترابية” أو البيدات،  وعند هطول الأمطار، تعمل الفجوات بين هذه “المداميك الترابية” الضخمة كمسامات كبيرة مترابطة، مما يسمح بامتصاص سريع وعميق للمياه السطحية في البداية، ويساعد وجود الحصى والحجارة داخل التربة على الحفاظ على هذه الممرات مفتوحة، فلا تتحول التربة إلى طبقة صماء تمنع نفاذ الماء”.

إعلان

ولفهم ما ذكرته  كاترينا، فإنك إذا أحضرت صندوقا به كتل من الطين الرطب، وقمت بسكب الماء عليه، سيتحرك ببطء شديد لأن الطين متراص ولا يترك فراغات كبيرة للمرور.

لكن في المقابل، إذا أحضرت صندوقا آخر يحتوي على حجارة كبيرة وبينها كتل من الطين، فعندما تسكب الماء، فإنه لا يضطر إلى المرور عبر الطين كله، بل يجد ممرات وفراغات بين الحجارة تسمح له بالنفاذ بسرعة إلى الأسفل، وهذا ما يحدث في مدرجات البتراء، فعلى الرغم من أن التربة غنية بالطين، فإنه متجمع في كتل صغيرة، وبين هذه الكتل فراغات واسعة نسبيا تعمل كشبكة من الممرات التي تسمح للمياه بالتسرب بسرعة، كما أن وجود الحصى والحجارة داخل التربة يحافظ على هذه الممرات مفتوحة، فلا تتحول التربة إلى طبقة صماء تمنع نفاذ الماء.

نظام المدرجات في أحد مواقع البتراء " الفريق البحثي"
جدار مدرج منهار مع ردم سليم وتآكل طفيف (الفريق البحثي)

معدن لا يتمدد

وتوضح أنه “إلى جانب هذه الخصائص الفريدة للتربة، وجدنا من خلال التحليل المعدني أن الجزء الطيني يتكون في الغالب من معدن “الكاولينيت” مع نسب ضئيلة فقط من “الإيليت” و “السميكتيت”.

ولأن الكاولينيت معدن طيني غير قابل للتمدد بنسبة 1:1، فإنه لا يخضع لتمدد شبكي كبير عند البلل، وبالتالي، على الرغم من أن الكتل الرسوبية تتفكك في النهاية عند البلل المستمر، فإن غياب الطين القابل للتمدد يمنع التربة من الانتفاخ والانغلاق أو تكوين قشرة سطحية غير منفذة، وهذا يسمح لشبكة الصرف المترابطة بالبقاء فعالة طوال فترات هطول الأمطار”.

ويمكن تشبيه طين البتراء الذي يحتوي على معدن “الكاولينيت”، بإسفنجة تصب عليها الماء، فتمتص جزءا منه لكنها تحتفظ بشكلها تقريبا، وتظل الفراغات والممرات داخلها مفتوحة، فيستمر الماء في التحرك عبرها، وهذا سلوك مغاير تماما للطين القابل للتمدد الذي يحتوي على معادن أخرى مثل السميكتيت، حيث يبدو مثل نوع من الإسفنج عندما يبتل، ينتفخ بشدة ويزداد حجمه، فتضيق الفراغات الموجودة بداخله أو تنغلق تماما، ويصبح مرور الماء أكثر صعوبة.

نظام المدرجات في أحد مواقع البتراء " الفريق البحثي"
كانت المدرجات بمثابة “مفاعلات هيدروليكية” تغير سلوك المياه (الفريق البحثي)

الجاذبية تغلب الطين

ويدعم هذه التربة الفريدة في خصائصها واقعا هندسيا تفرضه مدرجات البتراء الأثرية التي شيدها الأنباط (شعب عربي استقر في الأردن الحالية وما حولها)، حيث لم تكن مجرد مصدات للتربة، بل كانت بمثابة “مفاعلات هيدروليكية” تغير سلوك المياه.

وتقول كاترينا: “عندما كانت مياه الأمطار والسيول تتدفق، تحتجزها جدران المدرجات لتتجمع خلفها كميات هائلة من المياه، وهذا الاحتجاز لم يؤد إلى برك راكدة، بل ولد ضغطا هيدروليكيا  تصاعديا بفعل الوزن والجاذبية.

هذا الضغط القوي أجبر المياه على اختراق طبقات التربة والتحرك عموديا نحو الأسفل بسرعة فائقة، متغلبا على المقاومة الطبيعية والقيود التي يفرضها قوام التربة الطيني المتماسك قليل النفاذية، ليتحول الطين من عائق إلى إسفنجة ماصة للتدفقات المائية العنيفة”، أي أن التصميم الهندسي للمدرج حول الجاذبية الأرضية إلى قوة دافعة قهرت الخصائص الطينية للتربة، ووجهت المياه إلى باطن الأرض بدلاً من جرف السطح”.

أدلة العبقرية الهندسية

وقدمت التحليلات الجيوكيميائية لطبقات التربة التي أجراها الباحثون حقائق لا تقبل الشك تؤكد هذا التدفق العمودي الحر للمياه، وجاءت الأدلة عبر مؤشرين كيميائيين رئيسيين، وهما “الغسيل المنظم للأملاح” و ” إعادة هيكلة المغذيات”.

وبالنسبة للدليل الأول، فقد أظهرت الفحوصات المختبرية لقطاعات التربة انخفاضاا حادا في مستويات الملوحة خلف جدران المدرجات وتحتها مباشرة، مقارنة بالمنحدرات الطبيعية المحيطة.

وتشرح كاترينا هذا الدليل قائلة إنه “إذا كانت التربة الطينية تعيق حركة الماء لتبخرت المياه على السطح تاركة خلفها قشرة ملحية كثيفة، لكن اختفاء الأملاح يثبت أن المياه كانت تغسل التربة وتتغلغل عميقاً بانتظام”.

أما الدليل الثاني، فقد رصدت الدراسة تحورا واضحا وتوزيعا عموديا متغيرا لعناصر النيترات والبوتاسيوم في عمق التربة، والمفاجأة كانت أن هذا السلوك الكيميائي ظل ثابتا ومستقرا بغض النظر عن تغير نسبة الطين من موقع إلى آخر.

وتقول كاترينا: “يظهر هذا أن وجود المدرجات الزراعية يهيئ حالة حدية تتغلب فيها حركة المياه بفعل الجاذبية على القيود الهيدروليكية لنسيج التربة”.

ولفهم هذا الدور الذي لعبه تصميم المدرج، افترض أن لديك وعاء يمثل أرض البتراء، وهذا الوعاء مليء بالدقيق الناعم جدا ، فإذا كان الوعاء مائلاً وسكبت عليه كوبا من الماء، فإن الماء سينزلق بسرعة على السطح، ويجرف معه طبقة من الدقيق، دون أن يتغلغل إلى القاع، لأن الدقيق الناعم سرعان ما يتكتل ويغلق المسامات، وهذا ما يحدث في المنحدرات الجبلية الطبيعية، عندما تحدث فيضانات تجرف التربة.

لكن إذا غيرنا مكونات الوعاء عن طريق خلط الدقيق بحبات من الحصى والأحجار الصغيرة (الهيكل الخشن)، فهذه الأحجار تلامس بعضها البعض وتعمل كأعمدة حماية تمنع الدقيق من الانضغاط والتحول إلى قوالب مصمتة.

وعندما نضع حاجزا خشبيا في طرف الوعاء المائل (أشبه بجدار المدرج)، فعندما تسكب الماء الآن، فإن الحاجز الخشبي (المدرج) سيمنع الماء من الهروب والانزلاق، وسيبدأ الماء بالتراكم ويرتفع منسوبه وثقله، وهذا الوزن الهائل للماء المتراكم، وبمساعدة الجاذبية، يخلق ضغطا لأسفل، فيجبر جزيئات الماء على إيجاد ممرات وقهر طبقة الدقيق ميكانيكيا، لتنفذ المياه من خلال الفراغات المحمية حول الحصى وتصل إلى قاع الوعاء.

ويشرح مثال “غسيل القميص المالح” الأدلة الكيميائية التي عثر عليها الباحثون لتأكيد الدور الذي لعبه المدرج، فلو أنك بللت القميص وتركت الماء يركد على سطحه دون أن ينفذ عبر القماش، ثم جففته الشمس وتبخر الماء، ستكون النتيجة أن الماء سيرحل في الهواء، ويبقى الملح ملتصقا بالقميص (تراكم الأملاح).

أما لو أنك وضعت القميص تحت صنبور ماء قوي، ونفذ الماء من قماش القميص بالكامل وخرج من الجهة الأخرى إلى البالوعة، فعندما تفحص القميص لاحقا، ستجده نظيفا تماما وخاليا من الملح، وهذا هو الدليل الذي وجده العلماء خلف وتحت مدرجات البتراء، فعلى الرغم من أن عينات من أعماق التربة، وجدوا مستويات الملوحة منخفضة جدا، وهذا الاختفاء للأملاح في الأعماق يعطي دليلا كيميائيا قاطعا على أن مياه الأمطار لم تكن تقف على السطح لتتبخر، بل كانت تخترق التربة حتى القاع وتأخذ معها الأملاح بعيدا.

من هدف هيدروليكي إلى أنظمة زراعية

وحول ما إذا كان سكان البتراء من الأنباط على دراية عملية بهذه الخصائص الهيدرولوجية عند بناء المدرجات، تقول كاترينا إن ” بناء المدرجات، الذي امتد عبر تاريخ طويل من العصر الحديدي (1300 قبل الميلاد) وحتى ستينيات القرن الماضي، بدأ بهدف هيدروليكي واضح، وهو كسر حدة السيول والتحكم في الفيضانات، واختار السكان بعناية مجاري الأودية الضيقة والأسطح الصخرية الإستراتيجية لبناء جدران قادرة على احتجاز الرواسب وتقليل السرعة الجارفة للسيول الموسمية”.

وتضيف أنه “عندما نجحت هذه الجدران الهندسية في إبطاء المياه، تحولت طبيعياً إلى مصائد للغبار والأتربة الناعمة التي تحملها الرياح، حيث ساعد غمر المنطقة بالمياه على ترسيب ذلك الغبار وتثبيته، ومع مرور الزمن، لاحظ المزارعون عبر أجيال من الخبرة العملية أن هذه الرواسب الطميية تمتلك قدرة خارقة على حفظ الرطوبة والمغديات دون أن تتملح أو تتعفن جذور النباتات فيها، مما خلق حلقة ذكية تحولت بموجبها بنية الفيضانات التحتية بانتظام إلى أنظمة زراعية فائقة الإنتاجية”.

خارطة طريق للمستقبل

وفي وقت يعاني فيه الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من أزمة جفاف وتصحر طاحنة، تقدم دراسة مدرجات البتراء حلولا قائمة على الطبيعة يمكنها تغيير قواعد اللعبة المعاصرة.

وتقول كاترينا إن ” إدارة الأراضي المعاصرة تعتمد على تقنيات الاستشعار عن بُعد ونماذج معيارية مثل (مؤشر رقم المنحنى الأمريكي لقياس تصريف المياه) التي تصنف خطأً التربة الغنية بالطين في المناطق الجافة على أنها مناطق كتيمة طاردة للمياه ومسببة للفيضانات، و البتراء تثبت العكس تماماً، وتدعو المهندسين المعاصرين لإعادة النظر في حساباتهم وإدراج “التنوع الهيكلي” للتربة في خططهم”.

وتضيف: “دراستنا أيضا تقدم طريق لمكافحة السيول الخاطفة وتملح التربة، وذلك عبر إعادة إحياء المدرجات الأثرية وتطبيقها في المنحدرات الجبلية الجافة، بما يمنح الطبيعة مرونة فورية، عبر امتصاص الصدمة الأولى للسيول المدمرة ومنع الجريان السطحي العنيف، وفي الوقت نفسه يتم استغلال تلك المياه لغسيل الأملاح من باطن التربة والحفاظ على خصوبتها”.

وتختم بدرس ثالث مستفاد من الدراسة، وهو حظر “تنقية” الحقول من الحصى، وتقول: ” اعتادت الزراعة الحديثة على إزالة الأحجار والحصى من الحقول لتسهيل عمل الآلات والجرارات، لكن درس البتراء يثبت أن حظر إزالة الحصى أمر إلزامي، لأن هذا الهيكل الحصوي الخشن هو الضامن الوحيد لحماية الفراغات (المسامات الكبيرة) ومنع الطين من الانضغاط، مما يضمن استمرار نفاذية الأرض ومقاومتها للانجراف على المدى الطويل”.

الجزيرة


المصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى