
من كلّ بستان زهرة – 120 –
ماجد دودين
قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم:” مَن نَفَّسَ عن مُؤمِنٍ كُربةً مِن كُرَبِ الدُّنيا نَفَّسَ اللهُ عنه كُربةً مِن كُرَبِ يَومِ القيامةِ، ومَن يَسَّرَ على مُعسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عليه في الدُّنيا والآخِرةِ، ومَن سَتَرَ مُسلِمًا سَتَرَه اللهُ في الدُّنيا والآخِرةِ، واللهُ في عَونِ العَبدِ ما كان العَبدُ في عَونِ أخيه، ومَن سَلَكَ طَريقًا يَلتَمِسُ فيه عِلمًا سَهَّلَ اللهُ له به طَريقًا إلى الجَنَّةِ، وما اجتَمع قَومٌ في بَيتٍ مِن بُيوتِ اللهِ، يَتْلونَ كِتابَ اللهِ ويَتَدارَسونَه بينَهم، إلَّا نَزَلَت عليهم السَّكينةُ، وغَشيَتهُمُ الرَّحمةُ، وحَفَّتهُمُ المَلائِكةُ، وذَكَرَهمُ اللهُ فيمَن عِندَه، ومَن بَطَّأ به عَمَلُه لم يُسرِعْ به نَسَبُه.
الراوي: أبو هريرة | المحدث: مسلم | المصدر: صحيح مسلم – الصفحة أو الرقم: 2699 | خلاصة حكم المحدث: [صحيح] – التخريج: من أفراد مسلم على البخاري
حَثَّ الشَّرعُ على التَّحلِّي بالفضائلِ ومَحاسنِ الأخلاقِ، مِثلِ قَضاءِ حَوائجِ النَّاسِ والتَّيسيرِ عليهم ونَفْعِهم بِمَا يَتَيَسَّرُ من مالٍ وعِلمٍ أو مُعاونَةٍ أو مُشاورَةٍ.
وفي هذا الحديثِ يَقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «مَن نَفَّسَ عن مُؤمنٍ كُربةً»، أي: رَفَعَ عن مُؤمنٍ حُزنًا وعَناءً وشِدَّةً، ولو كان يَسيرًا، فيكونُ الثَّوابُ والأجْرُ أنْ يُنَفِّسَ اللهُ عنه كُربةً مِن كُرَبِ يومِ القِيامةِ، وتَنْفيسُ الكُرَبِ إحسانٌ، فجَزاه اللهُ جَزاءً وِفاقًا، «ومَن يَسَّرَ على مُعسِرٍ»، والتَّيسيرُ على المُعسِرِ في الدُّنيا مِن جِهةِ المالِ يكونُ بأحَدِ أمْرَينِ: إمَّا بإنْظارِه إلى المَيسَرةِ، وتارَّةً بالوضْعِ عنه إنْ كان غَريمًا، أي: عليه دَينٌ، وإلَّا فبإعْطائِهِ ما يَزولُ به إعسارُه، وكِلاهُما له فَضلٌ عَظيمٌ، وجَزاؤُه أنْ يُيسِّرَ اللهُ عليه في الدُّنيا والآخِرةِ مُقابلَ تَيسيرِه على عَبدِه؛ مُجازاةً له بجِنسِ عَملِه، «ومَن سَتَرَ مُسلِمًا»، أي: رآهُ على قَبيحٍ فلم يُظهِرْه للناسِ، فيَكونُ جَزاؤُه أنْ يَستُرَه اللهُ في الدُّنيا، أي: يَستُرَ عَوْرتَه أو عُيوبَه، ويَستُرَه في الآخِرةِ عن أهْلِ المَوقِفِ. وهذا فِيمَن كان مَستورًا لا يُعرَفُ بشَيءٍ مِن المعاصي، فإذا وَقَعَت منه هفْوةٌ أو زَلَّةٌ، فإنَّه لا يَجوزُ هتْكُها ولا كشْفُها ولا التَّحدُّثُ بها، وليْس في هذا ما يَقْتضي تَرْكَ الإنكارِ عليه فيما بيْنه وبيْنه.
وقَولُه: «واللهُ في عَونِ العَبْدِ ما كان العَبْدُ في عَونِ أخيهِ»، أي: مَن أعانَ أخاهُ أعانَه اللهُ، ومَن كان ساعيًا في قَضاءِ حاجَاتِ أخيهِ، قَضى اللهُ حاجاتِه؛ فالجزاءُ مِن جِنسِ العمَلِ.
وأخبَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ «مَن سَلَكَ طَريقًا يَلتمِسُ فيه عِلْمًا»، وهذا يَشمَلُ الطَّريقَ المَعنويَّ والطَّريقَ الحِسِّيَّ؛ فأمَّا المعنويُّ فهو الطَّريقُ الَّذي يُتوصَّلُ به إلى العِلمِ؛ كحِفظِ العِلمِ، ومُدارستِه ومُذاكرتِه، ومُطالعتِه وكِتابتِه، والتَّفهُّمِ له، بأنْ يُلتمَسَ العِلمُ مِن أفواهِ العُلماءِ ومِن بُطونِ الكُتبِ؛ فمَن يَستمِعُ إلى العُلماءِ، أو يُراجِعُ الكتُبَ ويَبحَثُ فيها -وإنْ كان جالِسًا-؛ فإنَّه قدْ سلَكَ طَريقًا يَلتمِسُ فيه عِلمًا، وأمَّا الطَّريقُ الحِسيُّ فهو الَّذي يَجتهِدُ فيه المرءُ، ويَسيرُ فيه على الأقدامِ؛ مِثلُ أنْ يَأتيَ الإنسانُ مِن بَيتِه إلى مَكانِ العِلمِ، سَواءٌ كان مَكانُ العِلمِ مَسجِدًا، أو مَدرسةً، أو جامِعةً، أو غيرَ ذلك، «سَهَّلَ اللهُ له به طَريقًا إلى الجَنَّةِ»، أي: يَسَّرَ اللهُ له عمَلًا صالحًا يُوصِلُه إلى الجنَّةِ بفَضلِ اللهِ ورِضوانِه عليه، فيُوَفِّقُه للأعمالِ الصَّالِحةِ، أو المُرادُ: سَهَّلَ عليه ما يَزيدُ به عِلمُه؛ لأنَّه أيضًا مِن طُرقِ الجنَّةِ، بلْ هو أقرَبُها؛ لأنَّ العِلمَ الشَّرعيَّ تُعرَفُ به أوامِرُ اللهِ ونَواهيهِ، فيُستَدَلُّ به على الطَّريقِ الَّذي يُرضِي اللهَ عزَّ وجَلَّ، ويُوصِلُ إلى الجنَّةِ، ويكونُ طلَبُ العِلمِ وتَحصيلُه باتِّخاذِ كلِّ الوسائلِ المُستَطاعةِ وإنْ لم يكُنْ هناك سفَرٌ؛ كأنْ يُلازِمَ مَجالِسَ العِلمِ، ويَقتنيَ الكُتبَ النَّافِعةَ المُفيدةَ لأجْلِ دِراستِها والمُذاكَرةِ فيها.
وأخبَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه «مَا اجْتَمَعَ قَومٌ في بَيتٍ مِن بُيوتِ اللهِ» ويُلحَقُ بها دُورُ العِلمِ ونَحوُها، وبُيوتُ اللهِ في الأرضِ المَساجدُ، وأضافَ اللهُ عزَّ وجلَّ هذه الأماكِنَ إلى نَفسِه تَشريفًا وتَعظيمًا، ولأنَّها مَحَلُّ ذِكرِه، وتِلاوةِ كَلامِه، والتَّقرُّبِ إليه بالصَّلاةِ. «يَتلونَ كِتابَ اللهِ، ويَتَدارسونَه بَيْنهم»، بأنْ يَقرَأَه بَعضُهم على بَعضٍ، ويَتَدبَّروا مَعانيَه، ويَتَدارَسوا أحكامَه، ويَتَعهَّدوه خَوفَ النِّسيانِ؛ إلَّا مَنَحَهم اللهُ عزَّ وجلَّ الأجْرَ الجَزيلَ فَضلًا منه سُبحانَه وكَرَمًا، ثمَّ يُبيِّنُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَضْلَ الاجتِماعِ عَلى تِلاوةِ القُرآنِ في المَسجِدِ ومُدارسَتِه، وأنَّ اللهَ يَمنَحُ لِمَن جَلَسَ هذه المَجالِسَ أربَعَ مِنَحٍ، أوَّلُها: أنَّ ذلك سَببٌ في نُزولِ السَّكينَةِ عليهم، وهي ما يَحصُلُ به صَفاءُ القلبِ بنُورِ القُرآنِ وذَهابِ ظُلْمتِه النَّفْسانِيَّةِ، مع الطُّمأنينةِ والوقارِ، ومِن ثَمَّ يَكونُ مُطمَئنًّا غَيرَ قَلِقٍ ولا شاكٍّ، راضيًا بقَضاءِ اللهِ وقَدَرِه. وهذه السَّكينةُ نِعمةٌ عَظيمةٌ مِن اللهِ تَعالَى، قالَ عنها: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح: 4] . والمِنحةُ الثَّانيةُ: «وغَشِيَتْهُم»، أي: غَطَّتْهُم وسَتَرَتْهُم رَحمةُ اللهِ عزَّ وجلَّ. والمِنحةُ الثَّالثةُ: «وحَفَّتْهُم الملائِكَةُ»، أي: الْتَفُّوا حَوْلَهم؛ تَعظيمًا لصَنيعِهم، واستِماعًا لذِكرِهم اللهَ عزَّ وجلَّ، وليَكونوا شُهداءَ عليْهم بيْنَ يَدَيِ اللهِ عزَّ وجلَّ. والمِنحةُ الرَّابِعةُ: «وذَكَرَهمُ اللهُ فِيمَن عندَه» مِن المَلَأِ الأَعْلَى، وهي الطَّبقَةُ الأُولى مِنَ المَلَائِكَةِ، ذَكَرَهم اللهُ تَعالَى مُباهاةً بِهم.
ثُمَّ يَختِمُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الحديثَ بالحثِّ على عُلُوِّ الهِمَّةِ في العِلمِ والعَمَلِ، وعَدَمِ التَّواكُلِ على الحَسَبِ أو النَّسَبِ، أو أيِّ عَرَضٍ مِن أعْراضِ الدُّنيا، فيُبَيِّنُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ «أنَّ مَن بَطَّأَ به عَمَلُه لم يُسْرِعْ به نَسَبُه»، مَن كان عَمَلُه ناقصًا، لم يُلْحِقْه نَسبُهُ بمَرْتَبةِ أَصحابِ الأَعْمالِ؛ فَيَنْبَغي ألَّا يَتَّكِلَ على شَرَفِ النَّسَبِ، وفَضيلَةِ الآباءِ، ويُقَصِّرَ في العَمَلِ.
وفي الحديثِ: أنَّ الجزاءَ مِن جِنسِ العملِ.
وفيه: فَضيلةُ إعانةِ الغيرِ.
وفيه: الحثُّ على طَلبِ العلمِ وتِلاوةِ القرآنِ وتَدارُسهِ.
*********************
قيل للإمام الشعبي: يا عالم! قال: إنما العالم من يخشى الله.
فالعلم علمان: علم في القلب، وعلم على اللسان.
أما علم اللسان فلا ينتفع به العبد، وأما علم القلب فهو الذي ينتفع به العبد، وهو أول علم يرفع من الأرض، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنَّ اللهَ لا يَقبِضُ العِلمَ انتِزاعًا يَنتَزِعُه مِنَ العِبادِ، ولَكِن يَقبِضُ العِلمَ بقَبضِ العُلَماءِ، حتَّى إذا لَم يُبقِ عالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤوسًا جُهَّالًا، فسُئِلوا فأفتَوا بغيرِ عِلمٍ، فضَلُّوا وأضَلُّوا).
فنزع العلم من قلوب العلماء جائز في قدرة الله عز وجل؛ لأن الله على كل شيء قدير، ولكن هذا الحديث يبين أن ذلك لا يحدث، وأن الله عز وجل إذا أراد أن يرفع العلم فإنه يقبض العلماء، ولا ينزع العلم من صدورهم، ولكن يقبض علماء السنة، الذين هم علماء القلب والخشية، فيتخذ الناس رؤوسا جهالاً فيسألون فيفتون بغير علم فيَضِلُّوا ويُضِلُّوا، فهذا أول علم يرفع كما قال بعضهم: ألا أخبركم بأول علم يرفع هو الخشوع.
فينزع هذا العلم أولاً -عباد الله- ثم ينزع كذلك علم اللسان، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يدرُسُ الإسلامُ كما يدرُسُ وَشيُ الثَّوبِ حتَّى لا يُدرَى ما صيامٌ، ولا صلاةٌ، ولا نسُكٌ، ولا صدَقةٌ، ولَيُسرى على كتابِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ في ليلَةٍ، فلا يبقى في الأرضِ منهُ آيةٌ، وتبقَى طوائفُ منَ النَّاسِ الشَّيخُ الكبيرُ والعجوزُ، يقولونَ: أدرَكْنا آباءَنا على هذِهِ الكلمةِ، لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فنحنُ نقولُها فقالَ لَهُ صِلةُ: ما تُغني عنهم: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَهُم لا يَدرونَ ما صلاةٌ، ولا صيامٌ، ولا نسُكٌ، ولا صدقةٌ؟ فأعرضَ عنهُ حُذَيْفةُ، ثمَّ ردَّها علَيهِ ثلاثًا، كلَّ ذلِكَ يعرضُ عنهُ حُذَيْفةُ، ثمَّ أقبلَ علَيهِ في الثَّالثةِ، فقالَ: يا صِلةُ، تُنجيهِم منَ النَّار ثلاثًا).
الراوي: حذيفة بن اليمان | المحدث: الألباني | المصدر: صحيح ابن ماجه
الصفحة أو الرقم: 3289 | خلاصة حكم المحدث: صحيح
التخريج: أخرجه ابن ماجة (4049)، والحاكم (8460)، والبيهقي في ((الشعب)) (1870) واللفظ لهم.
في هذا الحديثِ يُخبِرُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم بما يَكونُ مِن حالِ المسلِمين في آخِرِ الزَّمانِ، حيثُ يقولُ حُذيفَةُ بنُ اليَمانِ رَضي اللهُ عنه: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: “يَدْرُسُ الإسلامُ”؛ مِن دَرَسَ الرَّسمُ دُروسًا: إذا عَفا وهلَك، والمرادُ: تَنْمَحي آثارُه وأقلامُه وأحكامُه، “كما يَدرُسُ وَشْيُ الثَّوبِ”، أي: كما يُمحَى نَقشُ الثَّوبِ المرسومُ فيه، “حتَّى لا يُدرى”، أي: لا يُعرف في ذلك الوقتِ، “ما صِيامٌ، ولا صَلاةٌ، ولا نسُكٌ، ولا صدَقةٌ، ولَيُسرى على كِتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ في ليلةٍ”، أي: يَذهَبُ باللَّيلِ، “فلا يَبْقى في الأرضِ مِنه آيةٌ”، أي: يَمْحوه اللهُ عزَّ وجلَّ مِن الكُتبِ وصُدورِ الرِّجالِ، “وتَبقى طَوائفُ”، أي: جَماعاتٌ، “مِن النَّاسِ: الشَّيخُ الكَبيرُ والعَجوزُ، يَقولون: أدرَكْنا آباءَنا”، أي: مِن المسلِمين “على هذه الكلِمةِ: لا إلَهَ إلَّا اللهُ؛ فنحن نقولُها”، أي: يُقلِّدون آباءَهم في ذِكرِهم لكلمَةِ التَّوحيدِ وترديدِها دون عِلمٍ أو عمَلٍ بمُقتَضَياتِها.
قال رِبعيُّ بنُ حِراشٍ- الرَّاوي عن حُذيفةَ رَضي اللهُ عنه-: “فقال له صِلَةُ” وصِلةُ هو ابنُ زُفرَ مِن كِبارِ التَّابعين: “ما تُغني عنهم لَا إلهَ إلَّا اللهُ، وهم لا يَدرون ما صَلاةٌ، ولا صيامٌ، ولا نسُكٌ، ولا صدَقةٌ؟”، أي: أيُّ شيءٍ تَنفعُهم كلمةُ التَّوحيدِ وهم لا يَعرِفون أحكامَ الدِّينِ ولا يُطبِّقونها؟ وهذا وكأنَّه يَستَنكِرُ أنْ يَنفَعَهم مجرَّدُ التَّوحيدِ، قال رِبعيٌّ: “فأعرَض عنه حُذيفةُ”، أي: لَم يُجِبْه في استِنْكارِه، “ثمَّ ردَّها عليه ثلاثًا”، أي: أعاد صِلَةُ السُّؤالَ على حُذيفةَ ثلاثَ مرَّاتٍ، “كلَّ ذلك يُعرِضُ عنه حُذيفَةُ، ثمَّ أقبَل عليه في الثَّالثةِ”، أي: أجاب حُذيفَةُ صِلَةَ في المرَّةِ الثَّالثةِ، “فقال: يا صِلَةُ، تُنْجيهم مِن النَّارِ؛ ثلاثًا”، أي: تُنْجيهم كلمةُ التَّوحيدِ مِن النَّارِ، وكرَّرَ ذلك ثلاثَ مرَّاتٍ تأكيدًا. وقد قال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: “مَن قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ دخَل الجنَّةَ”؛ أخرَجه الطَّبرانيُّ.
والمرادُ مِن الحديثِ: استِحْكامُ الجَهلِ ورَفْعُ العِلمِ ومَوتُ العُلماءِ في ذلك الوقتِ؛ بحيثُ لا يَبقى إلَّا الجَهْلُ الصِّرْفُ، ولا يَمنَعُ مِن ذلك وجودُ طائفةٍ مِن أهلِ العِلْمِ؛ لأنَّهم يَكونون حينَئذٍ مَغمورينَ في أولئك، والواقِعُ أنَّ الصِّفاتِ المَذْكورةَ وُجِدَتْ مَباديها مِن عهْدِ الصَّحابةِ، ثمَّ صارَتْ تَكثُرُ في بعضِ الأماكنِ دونَ بعضٍ. وفي الحديثِ: علَمٌ مِن أعلامِ النُّبوَّةِ.
*****************
قال صلى الله عليه وسلم: (ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه) أي: لا يساعده ولا يسرع به أن أباه أحد المشايخ أو الصالحين أو الأولياء، أو أنه من نسب النبي صلى الله عليه وسلم، قال عز وجل: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ} [المؤمنون:١٠١]، ولا ينفع نسب النبي صلى الله عليه وسلم إلا أهل الإيمان والطاعة والعمل الصالح، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل نسب مقطوعة يوم القيامة إلا نسبي وصهري)، تزوج عمر رضي الله عنه أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب قال: والله ما بي حاجة إلى الزواج، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كل نسب مقطوعة يوم القيامة إلا نسبي وصهري).
فلا ينفع نسب النبي صلى الله عليه وسلم إلا من كان من أهل الإيمان والعمل الصالح.
فعم النبي صلى الله عليه وسلم وشقيق أبيه أبو لهب ينزل فيه في الدنيا: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} [المسد:١ – ٥] فلم ينفعه نسب النبي صلى الله عليه وسلم وهو كافر، فلا ينفع نسب النبي صلى الله عليه وسلم إلا أهل الإيمان وأهل العمل الصالح، وأما سائر الأنساب فلا تنفع بحال من الأحوال، بل إن الأنساب يوم القيامة تتقطع، (فمن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه).
********************
أقسام القلوب
لما كانت القلوب -عباد الله- توصف بالحياة وضدها، قسم العلماء القلوب إلى ثلاثة أقسام هي: القلب الصحيح أو السليم، والقلب المريض أو السقيم والقلب الميت.
وقالوا في تعريف القلب السليم: هو القلب الذي قد صارت السلامة صفة له، فقد سلم مما سوى الله عز وجل، فإذا أحب أحب في الله، وإذا كره كره في الله، وإذا أعطى أعطى في الله، وإذا منع منع في الله، ولا تتم سلامة هذا القلب، حتى يعقد صاحبه مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عقداً محكماً مبرماً على الائتمام به في جميع أقواله وأفعاله، فسلم من عبودية غير الله عز وجل، ومن اتباع غير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يدخل الجنة إلا من أتى الله عز وجل بقلب سليم، قال تعالى: {يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء:٨٨ – ٨٩].
القلب الميت: فهو الذي أخلص العبودية لهواه، فإذا أحب أحب لهواه، وإذا كره كره لهواه، وإذا أعطى أعطى لهواه، فهواه آثر عنده من رضا مولاه، والدنيا تسخطه وترضيه، والهوى يصمه عما سوى الباطل ويعميه، ينادى إلى الله والدار الآخرة من مكان بعيد فلا يستجيب إلى الداعي، ويتبع كل شيطان مريد، فصاحب هذا القلب واقف مع حظوظه وشهواته، لا يبالي رضي الله عنه أم سخط، كما قال الله عز وجل: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الجاثية:٢٣].
قال بعض السلف: هو الذي كلما هوى شيئاً ركبه.
كلما زينت له نفسه فعل شيء فإنه يفعله، لا يحجزه شيء من تقوى الله عز وجل، ولا يدفعه شيء إلى حب الله عز وجل.
وبين القلب السليم والقلب الميت القلب السقيم: وهو الذي تمده مادتان، ففيه من محبة الله عز وجل والدار الآخرة ما هو مادة حياته، وفيه من محبة الشهوات وإيثارها ما هو مادة هلاكه وعطبه، فقد يدعوه الداعي إلى الله عز وجل فيستجيب له، وقد يدعوه إلى غير الله عز وجل فيستجيب له.
فالقلب الأول: حي مخبت واعٍ، والثاني: يابس ميت، والثالث: مريض، فإما إلى السلامة أدنى، وإما إلى الموت أدنى
*********************
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
إنَّ هذه القلوبَ أَوْعيةٌ، وخيرَها أَوْعاها للعلمِ.
الناسُ ثلاثةٌ: عالمٌ رَبَّانيٌّ، ومتعلِّمٌ على سبيلِ نجاةٍ، وهمَجٌ رَعاعٌ أتباعُ كلِّ ناعقٍ، يميلونَ مع كلِّ ريحٍ، لم يستضيئوا بنورِ العلمِ، ولم يَلْجؤوا إلى ركنٍ وثيقٍ
العلمُ خيرٌ مِن المالِ، العلمُ يحرُسُكَ، وأنتَ تحرُسُ المالَ، المالُ يُنقِصُه النفقةُ، والعلمُ يزكو على الإنفاقِ، محبةُ العالمِ دِينٌ يُدانُ، تُكسِبُه الطاعةَ في حياتِه، وجميلَ الأُحْدوثةِ بعدَ وفاتِه، ومنفعةُ المالِ تزولُ بزوالِه، العلمُ حاكمٌ، والمالُ محكومٌ عليه
مات خُزَّانُ المالِ وهم أحياءٌ، والعلماءُ باقونَ ما بقِيَ الدهرُ، أَعْيانُهم مفقودةٌ، وأمثالُهم في القلوبِ موجودةٌ.
***********************
كنْ كالنخيل عن الأحقادِ مرتفعاً … يُؤْذَّى برجمٍ فيعطي خيرَ أثمارِ
واصبرْ إِذا ضِقْتَ ذرعاً والزمانَ سطا … لا يحصلُ اليسرُ إِلا بعدَ إِعسارِ
***********************
حَقيقٌ بِالتَواضُعِ مَن يَموتُ وَيَكفي الَمَرءَ مِن دُنياهُ قوتُ
فَما لِلمَرءِ يُصبِحُ ذا هُمومٍ وَحِرصٌ لَيسَ تُدرِكُهُ النُعوتُ
صَنيعُ مَليكِنا حَسَنٌ جَميلٌ وَما أَرزاقُنا عَنّا تَفوتُ
فَيا هَذا سَتَرحَلُ عَن قَريبٍ إِلى قَومٍ كَلامُهُمُ سُكوُتُ
علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
***********************
ذكاء القاضي شريح
قال الشعبي: كنت جالساً عند القاضي شريح، إذ دخلت عليه امرأة تشتكي زوجها، وهو غائب، وتبكي بكاء شديداً، فقلت: أصلحك الله ما أراها إلا مظلومة، فقال: وما علمك؟ قال: لبكائها، قال: لا تفعل فإن إخوة يوسف {وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ}، وهم له ظالمون.
********************
قال عمرو بن العاص: ما استودعت رجلاً سراً، فلمته عليه إذا أفشاه؛ لأني كنت أضيق صدراً حين استودعته منه حين أفشاه.
*******************
المصدر




