
من السخرية من مكة إلى المطالبة بـ20% من ثروات المنطقة: هل آن أوان الصحوة العربية؟
بقلم الدكتور محمد بني سلامة
ليس غريبًا أن يثير دونالد ترامب الجدل، فالرجل بنى جزءًا كبيرًا من حضوره السياسي على الصدمة والاستفزاز وإشعال الحرائق الإعلامية. لكن ما حدث مؤخرًا تجاوز حدود السجال السياسي الأمريكي الداخلي، ووصل إلى منطقة شديدة الحساسية لدى أكثر من ملياري مسلم حول العالم.
في خضم خصومته القديمة مع الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، اختار ترامب أن يسخر من مشروع “مركز أوباما الرئاسي” بطريقة أثارت موجة واسعة من الغضب. المشكلة لم تكن في انتقاد أوباما أو مشروعه، فذلك شأن سياسي أمريكي داخلي، بل في استدعاء مكة المكرمة، أقدس بقاع الأرض لدى المسلمين، في سياق ساخر ومهين، وكأن المدينة المقدسة أصبحت أداة في معركة شخصية بين رئيسين أمريكيين.
حين يتعلق الأمر بمكة المكرمة، فإن الحديث لا يدور عن مدينة عادية أو معلم سياحي أو رمز ثقافي. نحن نتحدث عن قبلة المسلمين، وعن المكان الذي تهفو إليه قلوب الملايين كل عام لأداء فريضة الحج والعمرة. ولذلك فإن أي إساءة أو سخرية أو توظيف سياسي لهذا الرمز الديني تمثل اعتداءً على مشاعر أمة كاملة، لا على دولة أو حكومة أو نظام سياسي.
لكن اللافت أن هذه الواقعة لم تأتِ منفصلة عن سياق أوسع من التصريحات التي تعكس ذهنية الهيمنة والاستعلاء. ففي الوقت الذي يتحدث فيه ترامب عن ترتيبات جديدة في الشرق الأوسط، يطلق تصريحات توحي وكأن المنطقة مجرد شركة مفلسة تحتاج إلى “وصي” أمريكي يدير شؤونها ويتقاضى حصته من الأرباح.
والأكثر إثارة للدهشة تلك التصريحات التي فُهم منها أن الولايات المتحدة يمكن أن تحصل على نسبة من عائدات المنطقة مقابل دورها الأمني والعسكري. وهنا يبرز السؤال الكبير: بأي حق؟ ومن أعطى أي قوة في العالم تفويضًا بالتصرف وكأن ثروات المنطقة العربية والإسلامية غنيمة سياسية أو فاتورة حماية تُفرض على الشعوب والدول؟
هذه اللغة لا يمكن فهمها إلا باعتبارها انعكاسًا لعقلية قديمة ما زالت تنظر إلى الشرق الأوسط باعتباره مخزنًا للموارد وساحة للمصالح، لا شريكًا متكافئًا في النظام الدولي.
لكن الخطأ الأكبر الذي يرتكبه بعض العرب والمسلمين هو الاعتقاد بأنهم بلا أوراق قوة. والحقيقة أن المنطقة العربية تمتلك من عناصر التأثير ما يجعلها قادرة على فرض احترامها إذا أحسنت استخدام هذه الأوراق. فمضيق باب المندب، وقناة السويس، ومصادر الطاقة، والأسواق الاستراتيجية، والموقع الجغرافي الفريد، كلها عناصر تجعل المنطقة لاعبًا أساسيًا في الاقتصاد العالمي، لا مجرد متلقٍ للقرارات القادمة من الخارج.
إن الرد الحقيقي على هذه الإساءات لا يكون بالغضب العابر على مواقع التواصل الاجتماعي، بل ببناء موقف عربي وإسلامي موحد يدافع عن المقدسات والكرامة والمصالح الاستراتيجية للأمة. فاحترام الآخرين لنا يبدأ من احترامنا نحن لأنفسنا، ومن قدرتنا على تحويل عناصر القوة التي نملكها إلى أدوات تأثير حقيقية.
وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات العربية الإيرانية. نعم، هناك خلافات وتباينات ومشكلات تراكمت عبر عقود، لكن الجغرافيا لا يمكن تغييرها، والتاريخ لا يمكن محوه، والمصير المشترك يفرض نفسه على الجميع.
إيران ليست دولة عابرة في جوارنا، بل جار دائم وشريك في جغرافيا المنطقة وتحدياتها ومستقبلها. ومن الحكمة أن تنتقل العلاقة من منطق الصراع والاستنزاف إلى منطق الحوار والتفاهم وإدارة الخلافات وفق المصالح المشتركة.
لقد أثبتت الأحداث أن الخارج يستفيد من انقسامات المنطقة أكثر مما يستفيد أهل المنطقة أنفسهم. ولذلك فإن اللحظة الراهنة تستدعي مراجعة شجاعة وحوارًا عربيًا وإسلاميًا واسعًا يؤسس لمرحلة جديدة عنوانها الكرامة والسيادة والتعاون الإقليمي.
أما الرسالة التي يجب أن تصل إلى كل من يسيء إلى مقدسات الأمة أو يتعامل مع ثرواتها وكأنها ملكية خاصة، فهي رسالة واضحة وبسيطة: العرب والمسلمون ليسوا بلا قوة، وليسوا بلا خيارات، ولن يقبلوا أن تكون مقدساتهم مادة للسخرية أو مصالحهم فريسة للطامعين.
المصدر




