
لسنا محايدين ولا متفرّجين..نحن سهام في جعبة الإسلام والدين
الشيخ كمال خطيب
![]()
إنها الحرب السافرة والمستعرة على الإسلام مع اختلاف أسمائها ولافتاتها وأماكنها. فمرّة تحت لافتة الحرب على الإرهاب، ومرّة إنها الحرب على غزة، ومرّة إنها الحرب على الإخوان المسلمين، ومرّة إنها الحرب على إيران وقد بدأنا نسمع أصواتًا مجنونة حاقدة تتحدث عن الحرب على تركيا وسوريا، وما كلّ هذه اللافتات وغيرها إلا أنها تقصد اللافتة والعنوان الكبير، أنها الحرب على الإسلام.
وخلال هذه الحرب الظالمة، ومع كل الظلم الذي يقع علينا كمسلمين، فإننا نسمع من بين أبناء الإسلام أنفسهم من يسأل ويتساءل: ما دام الإسلام دين الحقّ فلماذا لا ينتصر على أعدائه؟ بل لعلّه سؤال أكثر جرأة: لماذا يترك الله الباطل يصول ويجول، وهل تخلى الله عن الحقّ وأهله؟
لهؤلاء نقول: إن انتصار الباطل في جولة من الجولات ومعركة من المعارك، فليس معنى ذلك أن الله تعالى يتركه يفعل ما يريد، وأن خروج الحقّ من جولة أو معركة مثخنًا بالجراح، فليس معنى ذلك أن الله تعالى قد نسيه أو تخلّى عنه.
فترك الباطل يصول ويجول بل ولعلّه ينتصر بينما الحق ضعيف مهزوم، فليس معناه التخلي وإنما هي حكمة الله وتدبيره حين يملي للظالم وللباطل ليوغلوا في ظلمهم وليتمادوا في باطلهم {كَلَّا ۚ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا} [80 سورة مريم]، {قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَٰنُ مَدًّا} [75 سورة مريم]. ثم إن بترك الله الباطل يصول ويجول ويعربد، فإنه سبحانه يريد أن يرى أهل الحق وموقفهم من نصرة حقهم {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [37 سورة الأنفال]، وهل أهل الحق صادقون في انتمائهم لحقهم أم هو انتماء مزيّف {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [31 سورة محمد].
لا تكن رماديًا ولا حياديًا
يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله تعالى: “إذا احتدمت المعركة بين الحقّ والباطل حتى بلغت ذروتها وقذف كل فريق بآخر ما لديه ليكسبها، فهناك ساعة حرجة يبلغ الباطل ذروته ويبلغ الحقّ أقصى محنته، والثبات في هذه الساعة الشديدة هو نقطة التحول والامتحان الحاسم لإيمان المؤمنين. فإذا ثبت أهل الإيمان تحوّل كل شيء لصالحهم، فيبدأ الحقّ طريقه صاعدًا ويبدأ الباطل طريقه نازلًا وتتقرر باسم الله النهاية المرتقبة”.
وخلال الصراع بين الحقّ وبين الباطل، وبين الإسلام وبين أعدائه، فإنه لا حجّة ولا كرامة لمن يقف على الحياد، فالله سبحانه وتعالى لن يسألنا ولن يحاسبنا يوم القيامة فقط لأننا قلنا كذا وكذا، بل إننا سنُسأل وسنحاسب لماذا لم نقل ولماذا سكتنا عن قول الحقّ وموقف الحقّ نصرة للإسلام حينما كان يتوجّب الأمر ذلك، فيكون السكوت عندها عيبًا وعارًا بل إثمًا وحرامًا.
صحيح أن الذي يقف على الحياد لم ينتصر للباطل ولم ينحز له، ولكنه كذلك لم ينتصر للحقّ ولم ينحز له. والرجولة والانتماء الصادق واحترام الذات أن يكون لأحدنا موقف واضح غير متلعثم في انتمائه للإسلام، لا أن يكون إمّعة وريشة تدور مع الريح حيثما دارت مسلوب الإرادة متلونًا متقلب الوجه والموقف. فالرجولة والشهامة والمروءة والأصالة والدين، لا يقبل من أحدنا أن يكون رماديًا ينتظر الفرز والحسم والنهاية ووضوح الصورة ولمن ستكون الغلبة ثم يحدّد موقفه مع المنتصر. إن أصحاب المواقع والمواقف الرمادية هم المنافقون والجبناء وليسوا هم البراغماتيون والمرنون والواقعيون كما يزعمون، وعنهم قال الله تعالى: {مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ} [143 سورة النساء] .
إنها النذالة والخسّة والأنانية أن تنتظر آخر جولة من جولات الصراع بين الحقّ والباطل، فتكون متفرجًا طوال الوقت ثم تصفّق للمنتصر (مع الحيط الواقف) بل الرجولة والشهامة والدين أن تكون مع الإسلام من أول جولة وفي كلّ جولة تدور معه حيثما دار حتى تشهد انتصاره، تردّد مع الشاعر:
أبدًا أظلّ مع التقاة مع الدعاة العاملين
الرافعين لواء أحمد عاليًا في العالمين
معركة الشيطان ومعركة الإنسان
إن الصراع بين الحقّ وبين الباطل، بين الإسلام وبين أعدائه، له ميدانان اثنان: الميدان الأول هو ميدان النفس البشرية وصراعها مع الشيطان {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [8 سورة الشمس]، {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [ 3 سورة الإنسان]. وأما الميدان الثاني: فإنه ميدان الصراع مع الأعداء والكارهين والحاقدين على ديننا مثلما كانت يومًا جولات للصراع مع الفرس ومع الروم ومع التتار ومع الصليبيين ومع الاستعمار ومع المشروع الصهيوني.
وهنا لا بدّ أن ندرك أننا لا يمكن أن ننتصر في معركتنا مع الأعداء دون أن ننتصر في معركة النفوس والقلوب، وقد قال رسول الله ﷺ: “أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك”. وإذا كنا في الصراع والمعارك ضد الأعداء مطالبين بالإعداد المادي {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ} [60 سورة الأنفال]، فإننا في معركة القلوب والنفوس مطالبون بأكثر من ذلك، إننا مطالبون بالإعداد لردّ السهام الموجّهة إِلى قلوبنا، ولقد قيل: “المؤمن بين شدائد خمس: نفس تنازعه وشيطان يضلّه ومنافق يبغضه ومؤمن يحسده وكافر يقاتله”.
وليس أننا مطالبون فقط بالإعداد لردّ السهام، وإنما مطالبون كذلك بالدعاء لقلوبنا ونفوسنا حيث القرآن الكريم زاخر بالآيات الكريمة، وحيث السنّة الشريفة زاخرة بالأحاديث بالدعاء للقلوب، لأن القلب هو العضو الذي إذا صلح فقد صلح الجسد كلّه وإذا فسد فقد فسد الجسد كله، “ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه وإذا فسدت فسد الجسد كلّه ألا وهي القلب”.
فإذا انتصرنا في معركة القلوب هانت بعدها كل المعارك والحروب. وإذا انتصرنا في معركة الشيطان حتمًا سننتصر في معركة الإنسان. ونحن الآن في أوج معركة النفوس، فنحن في أيام الفتن وسطوة الباطل وعلوّ صوت النفاق حيث يراد لنا أن نُهزم بالتثبيط والإحباط والتيئيس والخذلان، وأن الإسلام قد مات وشيّع إلى مثواه الأخير، لتكون الخطوة التالية أن نرفع الراية البيضاء ونستسلم للأعداء.
ولأهمية الانتصار في معركة القلوب والنفوس فلا بد من الدعاء لقلوبنا أن يحفظها الله من الزيغ عن الهدى والحقّ {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} [8 آل عمران]، {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [آية 10 سورة الحشر].
وكذلك النبي ﷺ فقد أرشدنا لضرورة الدعاء لقلوبنا، وها هو يوصي شداد بن أوس وكل المسلمين بقوله: “يا شداد بن أوس إذا رأيت الناس قد اكتنزوا الذهب والفضة فاكنز هذه الكلمات: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة في الرشد، وأسالك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك، وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك، وأسالك قلبًا سليمًا ولسانًا صادقًا، وأسالك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شرّ ما تعلم وأستغفرك لما تعلم إنك أنت علّام الغيوب”.
وتقول أم سلمة رضي الله عنها: “كان أكثر دعاء رسول الله: يا مثبّت القلوب ثبّت قلبي على دينك”.
نعم، ليس أننا مطالبون بالدعاء فقط على الأعداء والظالمين الذين يعلنون الحرب والمعارك علينا، وإنما نحن مطالبون بالدعاء لقلوبنا وأنفسنا ونحن نقود معركة النفوس، وقد قال أحد العلماء: “ابحث عن قلبك في ثلاثة مواطن: عند سماع القرآن، وفي مجالس الذكر، وفي الخلوات، فإن وجدت قلبك فاحمد الله على هذه النعمة وإن لم تجده في هذه المواطن فاسأل الله أن يمنّ عليك بقلب لأنه لا قلب لك”. وقد قال أحد الصالحين لصاحبه: “إن قلبي لا يرتاح لفلان. فقال له صديقه: وأنا مثلك ولكن ما يدريك فلعلّ الله طمس على قلبينا فأصبحنا لا نحبّ الصالحين” أي لعلّه هو رجل صالح ونحن فاسدون فحرمنا الله محبة الصالحين لأن حبّ الصالحين نعمة.
أحبّ الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة
وأكره من تجارته المعاصي ولو كنا سواء في البضاعة
الإسلام مثل الخشبة بالماء لا يغرق ولا يُحرق
إننا نعيش في زمن الفتن فيه كقطع الليل المظلم، زمن فيه تكالب علينا الأعداء، وخان الأمراء، وتطاول السفهاء، وضلّ العلماء، زمان أصبح فيه الحليم حيران، وحتى لا نضلّ السبيل ولا تنحرف البوصلة ولا تغرق السفينة فما أحوجنا للعناية بقلوبنا وتجديد إيماننا وقد أوصانا بذلك ﷺ: “إن الإيمان يخلَق في جوف أحدكم كما يخلَق الثوب فاسألوا الله أن يجدّد الإيمان في قلوبكم”.
إننا مطالبون بتجديد الإيمان حتى نظلّ على طريق الحقّ لا يبهرنا زيف الباطل وصخبه ولمعانه، وحتى لو كان يروّج ويفتي له علماء، وحتى لو كان يحميه ويدافع عنه ملوك ورؤساء، فإن الباطل سيظلّ باطلًا.
فقد التقى الحقّ والباطل يومًا في الطريق، فقال الباطل للحق: أنا أعلى منك رأسًا. فرّد عليه الحق: أنا أثبت وأرسخ منك قدمًا. فقال له الباطل: أنا أقوى منك. فرد عليه الحقّ: أنا أبقى منك. فقال الباطل: أنا معي الأقوياء والمترفون. فردّ عليه الحقّ: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا ۖ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ} [123 سورة الأنعام]. فقال له الباطل: أنا أستطيع أن أقتلك الآن. فرد عليه الحقّ: ولكن أولادي وأحفادي سيقتلونك ولو بعد حين ومهما طال الزمان”.
وقد قيل في تشبيه الحقّ بأنه منتصر وأن الباطل مهزوم مندحر: “الحقّ مثل الخشبة بالماء لا يغرق ولا يُحرق”، وإن سفينة الإسلام والحقّ ورغم أمواج الكيد فإنها عصيّة على الغرق والحرق بإذن الله تعالى. وليس أن الإسلام لم يغرق ولن يُحرق بل إنه هو خشبة النجاة وسفينة الإنقاذ الذي ينقذ البشرية التي تتقاذفها أمواج المادية ونيران المعاصي وجنون عظمة الزعماء وأمراض النزعات العرقية والقومية والدينية التي تملأ قلوبهم حقدًا على غيرهم.
وما أجمل ما قال الشاعر:
قطفوا الزهرة، قالت: من ورائي برعم سيثور
قطفوا البرعم، قالت: غيره ينبض في رحم الجذور…
قلعوا الجذر من التربة، قالت: إنني من أجل هذا اليوم خبأت البذور…
كامن ثأري بأعماق الثرى، وغدًا سوف يرى كل الورى كيف تأتي صرخة الميلاد من صمت القبور…
تبرد الشمس ولا تبرد ثارات الزهور.
نعم تبرد الشمس ولا تبرد حميتنا وعزيمتنا في أن نظلّ مع الإسلام ندافع عن ديننا ممن يعلنون عليه الحرب وممن ينتهكون أعراضنا ويدنّسون مقدساتنا ويحتلون أرضنا ويقتلون إخوتنا. وعليه فإن موقفنا الواضح مثل الشمس أننا مع إسلامنا ومع ديننا لا نقيل ولا نستقيل، ولسنا محايدين ولا نقف في المنطقة الرمادية لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وإنما نحن الذين ندور مع الإسلام حيثما دار في العسر، وفي اليسر، في المنشط والمكره، حتى يُتم الله وعده ويظهر الإسلام على الدين كله ولو كره الكافرون والمنافقون، وإن غدًا لناظره قريب.
نحن إلى الفرج أقرب فأبشروا.
رحم الله قارئًا دعا لي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
المصدر




