أخبار

د. حفظي اشتية يكتب .. محفوظة اشتية وأحمد حسن الزعبي

#سواليف

#محفوظة_اشتية و #أحمد_حسن_الزعبي

د. #حفظي_اشتية

  • photo 2024 07 07 12 47 07

تبعد قرية “سالم” بضعة كيلومترات إلى  الشرق من مدينة #نابلس، وقد امتدت المدينة شرقا والقرية غربا حتى اتحدتا، واشتبكت أيديهما، والتحمتا معا.

للقرية آلاف الدونمات تتمدد شرقا لتطلّ على غور الأردن بضفتيه، وتصافح جبال مؤاب والبلقاء وعجلون صباح مساء.

“محفوظة اشتية” ، أختي، لها بستان هناك، غرسته زيتونا بيديها، ورعته برموش عينيها، حتى غدا شجرا وارفا يانعا وافر الثمر ضافي البركة موفور الخير.

يجثم في المكان بضعة مستوطنين اغتصبوا قمة أحد الجبال كعادتهم، ودأبوا على مضايقة المزارعين أصحاب الأراضي، ورعاة الأغنام، وعابري السبيل. صمد الناس في أرضهم، وتعرّضوا إلى كل صنوف الإرهاب، ولجأ المستوطنون إلى كل وسيلة لإخلاء الأرض من أصحابها.

ذات يوم، قبل حوالي عقدين من الزمان، صاح المنادي الصارخ في القرية فجرا بأن المستوطنين قطّعوا أشجار الزيتون، فخرج الناس زرافات ووحدانا لتفقّد أراضيهم.

وضعت “محفوظة” طرف ثوبها بين أسنانها تركض نحو بستانها لا تلوي على شيء، ولا ترى من كل هذه الدنيا سوى زيتوناتها، عبرت المسافة البعيدة تسبقها لهفتها، ويقودها قلبها، ثم وصلت وأطلّت…. غامت الدنيا أمام ناظريها، وغابت كل الآمال، وخيّل إليها أن السماء تدانت فلامست الأرض، نظرت وأغمضت من هول ما رأت، ثم نظرت وحدّقت فأبصرت الفاجعة عيانا: بستانها مقطّع الأوصال، وزيتوناتها دون أغصان أو أوراق، جدوع عارية باكية تشكو ظلم المعتدي، هوتْ على ساق إحدى الأشجار، واحتضنتها، غاب عنها وعيها تماما، فتراءى لها أنها تحضن طفلها، بلّلته بالدموع، ضجّ قلبها المفجوع بين الضلوع، وتساقطت نفسها الواحدة أنفسا عديدة تناثرت مع الأغصان المبعثرة الغارقة بالأحزان، فسمتْ ثم تصاعدت تشكو قلة حيلتها للرحمن.

التقط مصوّر فلسطيني بارع هذا المشهد، وخلّده في عدة صور ترصد ظلم الإنسان….

طافت الصور الدنيا لتحكي باختصار حكاية شعب صامد في أرضه، يواجه عدوا باطشا غاشما مقطوع التاريخ، يرى الزيتونة الفلسطينية شاهدا أبديا حقيقيا على ملكية الأرض وأصحابها الشرعيين.

الفتى الأردني الحوراني الوسيم البسيم “أحمد الحسن الزعبي”، كان في الإمارات حينها، ولم يكن يعرفني، ولا يعرف أختي أيضا، شاهد الصورة، وشعر بالفجيعة، وتفجّر الدم الأخويّ قلبه الشريف النقي، وتذكّر ــ وما كان ناسيا ــ أن محفوظة اشتية أخته في الدم والدين واللغة والتاريخ والمكان، همّها همّه، ووجعها وجعه، وطافتْ في مخياله التضحيات التي قدّمها الأهل هنا في الأردن لإخوانهم غرب النهر، وتراسلتْ أمام عينيه مواكب الشهداء الشرفاء الراحلين المدافعين عن ثرى فلسطين، فسال قلمه بمقالة صادقة الوجدان، نشرتها جريدة الرأي في زاويته الأسبوعية آنذاك، وأصبحت حكاية المرأة الفلسطينية التي تحتضن زيتونة مقطعة الأوصال تسري على كل لسان، وتمّ تكريمها رسميا وشعبيا في هذا الوطن العروبي الأبيّ، وما زالت الصورة تظهر هنا وهناك، تخلّد آثار العدوان.

ثم مرّ زمان نفضت خلاله محفوظة عن كاهلها الأحزان، وأقبلت بجدّ على بستانها تعيد رعايته، وتسقي جدوعه بدماء القلب وعرق الجبين، وتداوي جروحه بدموع العين، إلى أن عاد كما كان، وأزهرت الآمال مجددا، واعتلتْ راية الصمود والحفاظ على الحق عاليا.

لكنْ قبل أيام، دوّى في القرية خبر فاجع جديد، الأراضي شرقي القرية تحترق، وأشجار الزيتون تلتهمها النيران. هُرع الناس لإطفائها وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكنهم مُنعوا من الوصول حتى أتت النار على مئات الدونمات بما فيها من أشجار، ليتحوّل تعب السنين، وصبر العمر إلى حطام تهاوى سوادا يرسم خريطة المستقبل وأيامه القادمة بين أصحاب الحق والمعتدين الغاصبين.

وتطلّ محفوظة مجددا بعد أن تجاوزت الخامسة والسبعين، تنظر ولا تكاد ترى، تبكي دون دمع، تطأ الجمر بقدميها ولا تشعر، تمشي متكئة على عكّازها، ثم يدفعها خفقان قلبها فتركض، لكن سرعان ما تتهاوى همّتها ويغمرها هول الواقع، قد وهن عظمها، وهدّها همّ التعب اعتصر عمرا يُخطف جناه من بين أيديها ظلما وغدرا….

إنها الحقيقة المدوّية عن طبيعة الصراع، إنه العدوان السافر على أصحاب الأرض والحق، إنه العدو الفاجر المجاهر لأهل فلسطين كلها ولكل مواطن العرب والإسلام، إنها الصرخة الملتاعة الضائعة بين جنبات الصدى، إنه الصريخ المخذول المستغيث أمام بطش المتجبر الخبيث، إنها المواجهة الدائمة بين حق متجذر أبلج أصيل، وعابر متسلل سارق دخيل، إنه العدو اللئيم المتربص الواحد، إنه الخطر الداهم الحتميّ القادم….

آه يا أحمد، “يا راعي الأوله”، يا باعث الوفاء في الصدر مهما غلا الثمن لردّ الجميل، يا فتى الأردن الحوراني النبيل، يا نصير فلسطين، يا صائحا صادقا في كل حين أننا شعب واحد يجري بين رئتيه شريان نهر الأردن الخالد، لست معنا الآن، لكنّ قلبك هنا، وتعاطفنا معك هناك.

قد كتبتَ عن محفوظة أول مرة، فليتك تستطيع أن تكتب عنها الآن.

يا خافق القلب بحب الوطن، يا نقيّ السيرة والسريرة، يا شقيق الوجع، يا توأم الهمّ والألم، يا طائر الأشجان، يا مقيَّد القلم، عسى أن يكون فرجك قريبا، فهذا الوطن منذ بواكير فجره بناه الأُلى من السادة النُّجب على التسامح والصفح والتسامي، ولَكَمْ تمّ العفو والغفران باقتدار عن مرتكب خطأ جسيم، فتمّ استرداده برفق إلى حضن الوطن ليصبح من خيرة خلصائه وأشرف شرفائه، فما حالك أنت بزلّة قد تُحمل اجتهادا، لا يغصّ بها صدر حليم؟ وقد يقبل حكمها استبدالا مع كامل التقدير للقضاء المبرم، في بلد يتوجه فيه ملك حكيم ليُخرج بنفسه سجينا من سجنه، ويصطحبه بسيارته وهو يقودها ليعيده إلى أمّه وأسرته.

إنها الأسوة الحسنة بسيّد الخلق، صاحب الخلق العظيم، نبينا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم:

“النضر بن الحارث” من سادات قريش ووجوهها، وهو أحد أعتى وأشرس أعداء النبي، أُسر في غزوة بدر، وقُتل صبرا، فينفطر قلب أخته؟ “قُتيلة بنت الحارث”، فتروح تبكيه وترثيه وتنوح عليه، وتنزف منها الروح أسى يسيل شعرا في رسالة إلى الرسول الرحيم تطير بها الركبان قصيدة فاجعة رائعة. منها قولها :

أمــحمدٌ يا خـــيرَ ضِنءِ كريمةٍ         في قومها، والفحلُ فحلٌ مُعْرِقُ

ما كان ضرّك لو مننتَ  وربّما          مَنَّ افتى وهو المَغيظ المحنَقُ

والنضرُ أقربُ مَنْ أخذتَ بزَلَّةٍ          وأحقُّـهم إِنْ كــان عتــقٌ يُعتَقُ

يسمع الرسول شعرها متأثرا، وقيل: بل ترقرقت عيناه بالدمع باكيا، فيقول: لو بلغني هذا قبل قتلِه لمننتُ عليه. ثم أوصى ألّا يُقتل بعد اليوم قرشيٌّ صبراً.


Source link

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

أرجو أن تقوم بإغلاق حاجب الإعلانات