
#سواليف
قال الخبير والمستشار الاقتصادي ناصر الزيادات إن الشرق الأوسط يشهد تشكّل كتلة إقليمية جديدة تقودها دول سنية وازنة، تتحرك لملء الفراغ الذي خلّفه تراجع الحضور الأميركي وتآكل قدرة إسرائيل على فرض معادلات جديدة، إلى جانب إنهاك إيران بفعل الحرب الممتدة.
وأضاف الزيادات، في مقال نشره اليوم الأربعاء على منصة /الجزيرة نت/، أن مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية الأخيرة لا يمكن قراءتها بوصفها اتفاقًا لوقف إطلاق النار فقط، بل باعتبارها مؤشرًا على ولادة توازن إقليمي جديد تتصدره هذه الكتلة التي تضم باكستان والسعودية وتركيا وقطر، مع حضور مصري متفاوت.
وأوضح الباحث في التاريخ الاقتصادي أن هذه الدول لم تكن مجرد وسيط بين واشنطن وطهران، بل طرفًا مشاركًا في هندسة التسوية، مشيرًا إلى أن تسمية الاتفاق بـ “مذكرة إسلام آباد” تعكس حجم الدور الباكستاني، فيما أدارت قطر قنوات الاتصال الحساسة، وأسهمت السعودية وتركيا ومصر في الضغط السياسي الذي جعل استمرار الحرب أكثر كلفة من إنهائها.
وأشار الزيادات إلى أن هذه الكتلة لا تقدم نفسها كمحور أيديولوجي، بل كإطار براغماتي لإدارة التوازنات واحتواء الفوضى، مستفيدة من تكامل عناصر القوة بين دولها؛ فباكستان توفر بعدًا عسكريًا حساسًا، وتركيا تمتلك قدرة تدخل متحركة، بينما تمنح السعودية وقطر الثقل المالي والطاقوي اللازم لبناء ترتيبات طويلة الأجل.
وقال إن هذه الدول أدركت أن أي تسوية مع إيران ستفتح الباب أمام بنية نفوذ جديدة تشمل إعادة الإعمار وطرق التجارة والضمانات الأمنية وترتيبات الطاقة، ولذلك سعت إلى أن تكون داخل غرفة الصياغة منذ البداية، حتى تتحول من وسيط مؤقت إلى طرف مؤسس للنظام الإقليمي المقبل.
وأضاف أن ما كان يُطرح سابقًا كأفكار فضفاضة حول تنسيق إقليمي بين دول إسلامية، بات اليوم يكتسب ملامح أوضح، مع بروز اتفاق دفاعي سعودي–باكستاني، ودعوات لضم تركيا وقطر إلى ترتيبات أوسع، ونقاشات حول شكل من أشكال “الناتو الإسلامي”.
وبيّن الزيادات أن قوة هذا التكتل لا تأتي من عنصر واحد، بل من تكامل قدرات يصعب جمعها في محور آخر، إذ يملك القدرة على التفاوض مع واشنطن وطهران معًا، وعلى تمويل السلم كما تمويل الردع، وعلى تحويل النفوذ السياسي إلى مشاريع اقتصادية مستدامة.
وفي تفسيره لتوقيت صعود هذا التكتل، قال إن الحرب على إيران كشفت حدود القوة الأميركية والإسرائيلية معًا؛ فواشنطن لم تستطع فرض نهاية سريعة للصراع دون الاعتماد على الوسطاء الإقليميين، وإسرائيل لم تتمكن من تحويل تفوقها العسكري إلى هندسة سياسية جديدة. وفي هذا الفراغ، وجدت العواصم السنية فرصة للانتقال من موقع الشريك الضروري إلى موقع اللاعب المقرر.
وأشار إلى أن إعادة إعمار إيران، التي قد تصل كلفتها إلى 300 مليار دولار، ليست منحة مجانية لطهران، بل أداة “ضبط ناعم”، إذ إن ربط مشاريع الطاقة والبنية التحتية والمصارف الإيرانية بشبكات تمويل خليجية ودولية يجعل كلفة العودة إلى المغامرة الإقليمية أعلى من السابق.
وفي ما يتعلق بإسرائيل، رأى الزيادات أنها الطرف الأقل قدرة على التكيف مع التحولات الجارية، رغم تفوقها العسكري، لأنها تواجه بيئة إقليمية تعيد ترتيب أولوياتها دون أن تمنحها موقع المركز، مشيرًا إلى أن المؤشرات الحالية توحي بأن الحرب لم تُنتج النظام الإقليمي الذي كانت “تل أبيب” تأمل به.
ولفت إلى أن التكتل الصاعد يواجه تحديات داخلية، من بينها التنافس التركي – السعودي، والضغوط الداخلية على باكستان، وهامش المناورة الواسع الذي تفضله قطر، إلى جانب حسابات مصر الخاصة. لكنه أكد أن مجرد ظهور هذا التكتل يمثل تحولًا مهمًا، إذ تنتقل المنطقة من مرحلة كانت فيها القوى الكبرى متلقية للتسويات إلى مرحلة تحاول فيها أن تكون هي المصمم والوسيط والممول في آن واحد.
وختم الزيادات بالقول إن السؤال لم يعد ما إذا كانت الكتلة قد ظهرت بالفعل، بل إلى أي مدى ستنجح في تثبيت نفسها كعمود للنظام الإقليمي الجديد، معتبرًا أن استمرار الوساطة، وتقدم آليات إعادة الإعمار، وتعزز التنسيق الدفاعي بين الرياض وإسلام آباد وأنقرة والدوحة، قد يجعل من هذه الكتلة العامل الحاسم بين إيران وإسرائيل في الشرق الأوسط الجديد.
المصدر




