
المكوجي والصدفة التي تغير كل شيء . . !
موسى العدوان
المكوجي . . هو الشخص الذي يمتهن مهنة كي الملابس، وجعلها مفرودة بشكل أنيق خالية من التجاعيد. رغم أننا في بداية حياتنا لم نحضَ بمثل هذا الشخص، بل كنا نضع ملابسنا تحت الفراش لنرتديها ونظهر بمنظر حسن دون تجاعيد.
هناك قصة طريفة وملهمة، لعب فيها الحظ مع كوى الملابس البسيط، ليصبح بالصدفة من علية القوم، يخطب وده المتزلفون والوصوليون، تقربا منهم لغاية في نفوسهم. تقول القصة : أنه في منتصف الأربعينات من القرن الماضي، كان الشاعر الغنائي الكبير مأمون الشنّاوي، يستعد للخروج صباحا إلى عمله. وراح يرتدي إحدى بدلاته، التي عادت للتو من محل المكوجي، الموجود قريبا منه في الحي.
وعندما وضع يده في جيب الجاكيت، وجد ورقة مطوية، ظنّ أنها ورقة منسية من قبله. لكنه عندما قرأها تفاجأ بكلمات عاطفية رقيقة، وموزونة ببراعة شديدة مطلعها : ” على الحلوة والمرة مش كنا متعاهدين . . ليه تنسى بالمرة عشرة بقالها سنين ؟ ” التوقيع : ساعي البريد المجهول.
اندهش مأمون الشنّاوي، لأنه لم يكتب هذه العبارات. فسأل عاملة المنزل ( الخادمة ) لديه، عن سر هذه الورقة ؟ وبعد ارتباك وخوف، اعترفت له بالحقيقة : الشاب الذي يعمل في محل المكوجي، ويدعى ” سيّد ” يحبها، وكان يرسل لها رسائل الغرام، مستغلا ملابس الشاعر الكبير ( كساعي بريد ) دون علمه. ولأنها كانت غاضبة منه في ذلك الوقت، تركت الرسالة في جيب الجاكيت ولم تأخذها منه.
لم يغضب مأمون الشناوي، بل أعجب جدا بموهبة الشاب وطلب رؤيته. جاء الشاب ” سيّد ” خائفاً مرتجفاً. لكن الشناوي طمأنه وأخذ بيده، وعرض الكلمات فورا على الملحن محمود الشريف والمطرب عبد الغني السيّد. وبالفعل تم تسجيل الأغنية ولُحّنتْ وغُنّيت، فحققت نجاحا ساحقا في الإذاعة المصرية وقتها. هذا الشاب البسيط، تحول بعدها إلى أحد كبار شعراء الأغنية في العالم العربي، وهو الشاعر الكبير سيّد مرسي.
بعد هذه الأغنية ترك سيد مرسي مهنة كي الملابس تماما، واحتضنه الوسط الفني، ليرحل عن عالمنا عام 1995 عن عمر يناهز 108 أعوام، تاركا خلفه إرثا كبيرا، حيث كتب أشهر أغاني الثنائي بليغ حمدي ووردة الجزائرية مثل : وحشتني، ليالينا، اشتروني، يا أولاد الحلال.
* * *
التعليق : هناك في عالمنا العربي، الكثير من القصص المشابهة لمحدودي الكفاءة، ولكن حظوظهم اسندتهم ووقفت إلى جانبهم، فقيّض الله لهم من يرفعهم ويضعهم في أبراج عالية، يقتنصون الأمجاد وما يتبعها من أموال وأطيان لهم، ووظائف لذويهم ومحاسيبهم. وعندها يتسابق الوصوليون والمتزلفون، ليحظون بشرف مقابلتهم، والتقاط الصور التذكارية إلى جانبهم، يفاخرون بها الآخرين.
ولله تعال في خلقه شؤون تحول حياتهم من حال إلى حال . . !
التاريخ : 20 / 6 / 2026
المصدر




