
#سواليف
مع تزايد الدعوات عبر منصات التواصل الاجتماعي للخروج في مظاهرات يوم 26 حزيران/يونيو من الشهر الجاري، تتجه الأنظار إلى موقف الشارع الغزي، الذي يبدو أكثر تمسكاً بوحدته الداخلية في ظل حرب مستمرة خلّفت آلاف الشهداء والجرحى ودماراً واسعاً في مختلف أنحاء القطاع.
ويرى مراقبون أن الظروف الاستثنائية التي يعيشها سكان غزة دفعت غالبية المواطنين إلى التركيز على مواجهة تداعيات الحرب والحفاظ على الجبهة الداخلية، وسط مخاوف من أن تستغل بعض الدعوات حالة المعاناة العامة لإحداث شرخ مجتمعي أو خلق حالة من الاستقطاب الداخلي في توقيت بالغ الحساسية.
وفي هذا السياق، برزت مواقف لعائلات ووجهاء وشخصيات مجتمعية أكدت رفضها لأي خطوات من شأنها المساس بالنسيج الوطني الفلسطيني أو نقل الخلافات إلى الشارع، مشددة على أن الأولوية يجب أن تبقى لوقف الحرب وإنهاء معاناة المواطنين.
كما شكّلت جنازة الشهيد القيادي في “كتائب الأقصى” جميل المصري محطة لافتة عكست وحدة الصف الغزي، إذ رأى متابعون أن الالتفاف الشعبي حول الشهيد أكد أن دماء الشهداء ينبغي أن تكون عامل وحدة لا وسيلة لإثارة الخلافات والانقسامات، معتبرين ذلك ضربة معنوية للداعين إلى استثمار بعض الأحداث الفردية في تأجيج حالة الاحتقان داخل المجتمع الغزي.
ويؤكد مختصون في الشأن الفلسطيني أن قطاع غزة، رغم حجم الضغوط الهائلة التي يمر بها، ما يزال يمتلك رصيداً كبيراً من التماسك المجتمعي، ظهر جلياً خلال أشهر الحرب من خلال مبادرات الإيواء والإغاثة والتكافل بين العائلات والمؤسسات المجتمعية.
وقال المختص المجتمعي زهير ملاخة إن الدعوات إلى حراكات أو ثورات داخلية في ظل استمرار العدوان تمثل أمراً سلبياً من شأنه زيادة حالة الفوضى المجتمعية واستنزاف القوى الاجتماعية، لأنها تؤسس لمزيد من الخلافات والتباينات الداخلية.
وأضاف ملاخة لـ”قدس برس” أن الأصوات التي تدعو إلى ثورة أو حراك ضد جماعة أو أفراد أو أي نظام داخلي هي في معظمها أصوات من خارج قطاع غزة، وتأتي في وقت تعرضت فيه القوى الوطنية وكافة الشرائح والمقدرات الوطنية والمجتمعية للاستنزاف والإنهاك نتيجة ملاحقة الاحتلال واستمرار عدوانه.
وأشار إلى أن الجميع يجب أن يدرك أن الاحتلال هو الطرف الذي يعطل أي اتفاق أو حل، وهو المسؤول عن ما خلّفه من دماء ودمار وسلب لحقوق الشعب الفلسطيني.
وأوضح أن أي حراك يجب أن يكون تحت عنوان واضح يتمثل في مقاومة الاحتلال والعدوان، وبمشاركة القوى الفلسطينية والوطنية ومكونات المجتمع، لا أن ينطلق استجابة لأصوات خارجية لا تمثل إلا نفسها.
من جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي محمد أبو قمر إن الدعوات للتظاهر المقررة في 26 حزيران/يونيو الجاري تحمل أكثر من دلالة، أبرزها توقيتها الذي يتزامن مع تصاعد التهديدات الإسرائيلية ضد قطاع غزة، واستمرار تمدد المناطق التي يفرض الاحتلال سيطرته عليها، إلى جانب الظروف الإنسانية والمعيشية القاسية التي يعيشها السكان.
وأضاف أبو قمر لـ”قدس برس” أن سكان قطاع غزة يمرون بمرحلة شديدة الصعوبة، ويحتاجون إلى كل جهد من شأنه التخفيف من معاناتهم، الأمر الذي دفع القائمين على هذه الدعوات إلى محاولة استثمار حالة السخط والضيق التي يعيشها المواطنون من أجل الحشد للاحتجاجات.
وحول الجهات التي تقف وراء هذه الدعوات، أشار أبو قمر إلى وجود ثلاثة أطراف رئيسية. يتمثل الطرف الأول في أشخاص يقيمون خارج قطاع غزة ولا يعيشون الظروف اليومية التي يعانيها السكان، لافتاً إلى أن بعضهم سبق أن أطلق دعوات مشابهة للتظاهر وإثارة الاضطرابات.
وأضاف أن تشابه الشعارات والتصاميم والرسائل التي ينشرها هؤلاء عبر منصات التواصل الاجتماعي يوحي بوجود جهة تنسق هذا الحراك أو تدفع باتجاهه.
وتابع أن اللافت في خطاب هؤلاء هو حديثهم عن الأوضاع الصعبة والظلم الذي يعيشه السكان دون تحديد واضح للجهة المسؤولة عن ذلك، مشيراً إلى أن كثيراً من هذه الدعوات تتجنب الإشارة إلى الاحتلال الإسرائيلي أو تحميله المسؤولية المباشرة عما يجري في قطاع غزة.
أما الطرف الثاني، بحسب أبو قمر، فيتمثل في بعض المجموعات المسلحة والعصابات التي تنشط في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، والتي يتهمها بالارتباط بالاحتلال والعمل لصالحه. ويرى أن انخراط هذه الجهات في الترويج للحراك يثير تساؤلات حول طبيعة العلاقة بينها وبين بعض الداعين للاحتجاجات من الخارج، وما إذا كان الهدف يتجاوز الاحتجاج السلمي إلى محاولة زعزعة الاستقرار أو تنفيذ أعمال تستهدف المجتمع الفلسطيني في القطاع.
وأضاف أن الطرف الثالث يتمثل في وسائل الإعلام العبرية التي تولي هذه الدعوات اهتماماً واسعاً، معتبراً أن هذا التفاعل الإعلامي ينسجم مع محاولات إسرائيلية مستمرة لدفع الفلسطينيين نحو تحميل قوى المقاومة المسؤولية الكاملة عن الأوضاع القائمة، بدلاً من التركيز على دور الاحتلال والحرب المستمرة في صناعة الأزمة الإنسانية.
وأكد أبو قمر أن حالة السخط الشعبي في قطاع غزة مفهومة ومبررة في ظل ما يعيشه السكان من ظروف مأساوية، وأن من حق المواطنين المطالبة بتحسين أوضاعهم وإنهاء معاناتهم. لكنه يرى أن أي حراك لا يوجه اتهاماً واضحاً للاحتلال، ولا يطالب الوسطاء والمجتمع الدولي بتحمل مسؤولياتهم تجاه الشعب الفلسطيني، يثير علامات استفهام حول أهدافه الحقيقية.
واعتبر أن بعض هذه الدعوات تنسجم مع الرؤية الإسرائيلية التي تسعى إلى تصوير الأزمة في قطاع غزة على أنها مرتبطة حصراً بطبيعة الحكم القائم، متجاهلة أن إسرائيل عرقلت، وفق رأيه، استحقاقات سياسية وإنسانية نصت عليها تفاهمات واتفاقات سابقة، بما في ذلك ترتيبات متعلقة بإدارة القطاع وتحسين الأوضاع الإنسانية.
وبيّن الكاتب والمحلل السياسي أن المجتمع الغزي ما يزال يتمتع بدرجة عالية من التماسك الاجتماعي، تجلت بوضوح خلال المشاركة الواسعة في تشييع الشهيد جميل المصري، معتبراً ذلك رسالة واضحة تعكس وحدة المجتمع وضربة معنوية للداعين إلى الحراك.
وختم أبو قمر بالقول إن الاحتلال ما يزال، من وجهة نظره، الطرف الأساسي المسؤول عن استمرار الأزمة الإنسانية في قطاع غزة، وإن أي مقاربة لمعالجة الواقع القائم يجب أن تنطلق من هذه الحقيقة، إلى جانب الضغط لإنهاء الحرب ورفع المعاناة عن السكان المدنيين.
المصدر




