
مفاهيم شرعية: الحلال والحرام
مقال الإثنين : 16 / 2 / 2026
بقلم : د. هاشم غرايبه
أوجد الله كل ما هو ضروري للإنسان أو نافع له لتسهيل معيشته وقضاء احتياجاته، لذا فالأصل في الأشياء الإباحة، لكنه أوجد معها ما هو لازم للكائنات الأخرى، كما أوجد أشياء ضارة بالإنسان بيّن للمؤمنين بالله واليوم الآخر تحريمها ونهاهم عنها، ليمتحن طاعتهم له، وهذا لتحقيق سنة الابتلاء: “إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا” [الكهف:7]، لأن الابتلاء الدنيوي هو لتمحيص من التزم بطاعة الله – المؤهل الأساسي للفوز بحسن الجزاء، بجنة كلها نعيم خالص، وكل ما فيها حلال.
لذا فمن يدققون في عملهم ويقلقون من شبهة وقوعهم في معصية الله (الحرام) هم المتقون، ومن هم دون ذلك من المؤمنين يتباين حرصهم، والمتهاونون تكاسلا أو انسياقا وراء الشهوات، يبررون لأنفسهم ذلك بأنه عائد للضعف البشري، ويوهمون أنفسهم بأن مجرد كونهم مؤمنين بالله ورسوله كاف لدخولهم الجنة، والمسرفون بالمعاصي يمنون أنفسهم الأماني بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لقد أوجد الله في الفطرة البشرية السليمة حب الخير وكراهية الشر وهو ما يدعى بالضمير، ومعرفة ما ينفع وما يضر، كما زود الإنسان بالعقل مما يُمَكّنه من التمييز بين ما هو حلال وما هو حرام، من خلال تطبيق قاعدة ثابتة، وهي أن الله أحل الطيبات النافعات للإنسان، وحرم الخبائث.
المشتبهات لا تعني التداخل بين الحرام والحلال لدرجة يصعب تحديدها، بل هو بسبب الجهل ونقص العلم، لكن أغلب الخلط مقصود من أولي الإربة والغرض، بهدف تسويغ سلوكاتهم المنحرفة، وإلباسها لبوسا شرعيا.
إنما هناك قواعد عامة ثابتة تحكم هذا الأمر:
1 – وضع الفقهاء درجات للحلال ودرجات للحرام، فأعلى مراتب الحلال، هو المفروض فرض عين، وهو ما يجب أداؤه على الوجه الأكمل مثل العبادات والجهاد.
يلي ذلك المفروض فرض كفاية، وهو ما يترتب على المجتمع المسلم بعمومه ويجزئ البعض عن الكل، لكن تركه يوقع المجتمع كله بالإثم مثل وجود جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأداء صلاة الجنازة.
ثم يليه الواجب، الذي لا يصح العمل بدونه مثل أركان الصلاة ومواعيد الإمساك والإفطار للصائم.
ثم السنة المؤكدة وهو اتباع ما صح أنه فعله النبي صلى الله عليه وسلم من عبادات زيادة عن الفرائض المكتوبة، مثل السنن الراتبة وصلاة الوتر.
ثم اتباع السنة: وهي اتخاذ أفعال النبي صلى الله عليه وسلم قدوة تتبع، وهي آداب تثيب صاحبها إن فعلها لكن تركها لا يعتبر معصية، مثل الأدعية والأوراد.
ثم المندوب، وهو ما يجوز فعله أو تركه مثل قصر وجمع الصلاة للمسافر.
وأدنى درجات الحلال هو المباح، وهو ما يجوز فعله إن تحققت شروط محددة مثل مجيزات الإفطار في رمضان، والطلاق، وتعدد الزوجات، وأغلب الخلط يتم في هذه المرتبة، حيث لا يتم الإلتزام بتوفر الشروط المحددة للإباحة، بل بالقفز عنها والأخذ به على أنه حلال على إطلاقه، غير عابئين أنه بغير توفر الشرط المبيح، يصبح حراماً.
أما الحرام فهو محدد في ما حرمه الله في كتابه الكريم بنص قطعي الدلالة، ودرجاته تبدأ بالمكروه ثم المكروه كراهية تحريم، وهو كل فعل ضار بالنفس والآخرين.
ثم الحرام سواء حرمة مؤقتة كالزواج من أخت الزوجة، أو حرمة دائمة، كأكل الميتة ولحم الخنزير وشرب الخمر والميسر ..الخ.
2 – لم يجعل الله في أي محرم ضرورة حياتية للإنسان، وما كان مرتبطا بحاجة غريزية كممارسة الجنس جعل له قناة بديلة نظيفة هي الزواج.
3 – حياة النبي صلى الله عليه وسلم كانت تطبيقا عمليا للحلال والحرام، فكل ما كان يفعله حلال، لكن ليس كل ما لم يفعله محرم: فكثير من الأمور لم تكن معروفة في بيئته وزمنه مثل: كرة القدم ..المذياع ..السيارة ..الشاي الخ.
4 – ما سكت عنه الله ورسوله رحمة بالناس وتوسيعا عليهم، وقد نهى الله عن التنطع بالتوسع بالتحريم في غير ما ذكره “..لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ..” [المائدة:101] ، كما نهى عن التشدد في التفصيل بإيراده قصة البقرة وبني إسرائيل.
هكذا نتوصل الى أن الدين يسر، واتباع منهجه صلاح، وما حرم شيئا إلا كان خبيثا ضارا.

