أخبار

عاصفة تكريم الشخصية التوك توكرية إذ يفتح ملف التكريمات في الجامعات الاردنية


#سواليف

#عاصفة #تكريم #الشخصية #التوك_توكرية إذ يفتح #ملف_التكريمات في #الجامعات_الاردنية.

د. #عبدالحكيم_الحسبان

لم تكن ليلة الامس عادية على كثير من العاملين في جامعة اليرموك ولا على المهمتمين بشؤونها ولا على رئيسها وإدارتها الذي وجدوا أنفسهم غارقين وسط عاصفة من الكتابات والتعليقات على المواقع الالكترونية كما على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي. وأما محور عاصفة الامس، فقد كان بث محتوى عن تكريم شخصية لم يعرف الاردنيون لها أي انجاز على الارض الاردنية الواسعة أو في الميدان الاردني أو العالمي الاوسع، بل هي نمت وازدهرت وأتت لتكرم في الجامعة من عالم التيك توك واليوتيوب الافتراضي. وما أن تم بث المعلومة عن تكريم هذه الشخصية حتى باتت محور الحديث والمشاركات والتعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي لتتبعها تصريحات بطعم التصحيحات او التبريرات من ادارة الجامعة.
ولقد كان سيل المنطوقات والكتابات حول الخبر جارفا ولم يكن بالامكان حتى متابعته. فكيف إذا تعلق الامر بتفنيده وتوضيحه وتبريره. والحال، فإن حادثة الامس مثلت لغما جديدا انفجر في وجه ادارة الجامعة الجديدة وكان عليها أن تمضي ساعات الليل وهي تحاول استدراك ما جرى وسط سيل من التعليقات السلبية جدا جدا، والشتائم العلنية، والتهكمات التي أصابت الجامعة في إسمها ونالت بالتأكيد من رصيدها وسمعتها.
وفي محاولة فهم ما جرى بالامس، فان من المهم وضع مسألة التكريمات التي تقوم بها جامعة اليرموك والجامعات الاردنية عموما موضع النقاش والنظر بل وحتى النقد والمراجعة. فلم تكن حادثة الامس هي الاولى ولم تكن حدثا عابرا او يتيما، بل كان تكريم الامس المثير للجدل هو استمرار لنهج ومسلسل طويلين من حفلات التكريم وأعراسها. ومنذ سنوات يخضع العاملون في الجامعة لغزو بصري مرده طوفان من الصور والفيديوهات ذات ألوان الفساتين النارية الزاهية البراقة تزف لهم اخبار جيوش طويلة من المكرمين وخصوصا المكرمات عجزت ذاكرة الناس والعاملين في الجامعة عن تذكر اسمائهم وأسمائهن، لانها ببساطة تعجز عن تذكر انجازات حقيقية على الارض أو بأفعال مؤثرة حقيقية تتعلق بمعظم هؤلاء المكرمين والمكرمات (مع تشديد الراء).
لم تكن عاصفة الامس مفاجئة لي، لانني ومنذ سنوات اكتب عن خطورة ما يجري فيما يتصل بظاهرة التكريمات. وما جرى بالامس كان متوقعا بالنسبة لي وكنت انتظره واتوقعه. كنت على يقين ان موضوعة التكريمات ستنفجر في لحظة ما في وجه المؤسسة ومن يقودها. وأما وقد انفجر اللغم بوجه الجامعة والتعليم العالي بالامس، فقد بات من المهم مناقشة الموضوع بجرأة علمية وبعقل علمي ومؤسسي بارد. فسيل الشتائم، والتهكمات، والاستهزاءات بالجامعة واسمها، وموقعها على الفضاء الالكتروني العابر للحدود والدول والقارات كان كفيلا بنسف اطنان من العمل على الارض وفي الاعلام( في وعن) التصنيفات ونيل الاعتمادات العالمية وعن تقدم الجامعة في تصنيفات شنغهاي وكابول وبوركينا فاسو. خطأ مثل الذي حدث بالامس كفيل بأن ينسف جهدا طيبا لجيش من العلماء الطيبين.
في موضوعة حفلات وأعراس التكريم ولان الجامعة هي مؤسسة عمومية ووطنية وليس حيازة أو شيئا او عقارا لفرد يفعل فيه وبه ما يشاء، فقد بات من الضروري نقل موضوعة التكريمات من نطاق الاجتهاد الفردي لهذا الشخص او تلك ممن يتخذون القرار، ومن نطاق محاولات صعود بعض الطامحات او بعض الطامحين في الجامعة في التسلق من خلال تكريم شخصيات يراهنون أنها ستحملهم إلى جنة الكرسي الاكبر من ذلك الذي يجلسون عليه راهنا، ومن نطاق تسويق بعض الطامحات والطامحين وتلميعهم لبعض الوجوه من الطامحين خارج الجامعة، ومن نطاق تكتيك اكرم عطوفتك او معاليك اليوم كي تكرمني بكرسي او موقع غدا.
في مشهديات التكريم المتلاحقة في اليرموك وصورها التي تغزونا، تحضر في الذاكرة تكريمات كثيرة جرت في سنوات سابقة أثارت كثيرا من اللغط، وبدلا من أن تزيد من رصيد الجامعة وادارتها فقد فعلت النقيض. ففي الذاكرة صور لحفل تكريم نظمه عميد لشخوص متهمين من قبل جمهور الجامعة بانهم زرع شيطاني من الاتباع والموالين والمواليات الشخصيين له. وفي الذاكرة صور لتكريم جماعي مهيب لعشرات من المكرمات من الجنس اللطيف أثار جبالا من اللغط بل ومن الغضب حول المعايير المؤسسية التي اعتمدت في اختيار المكرمات. والنتيجة كانت، انه وبدلا من تحقيق المؤسسة لزيادة في رصيدها فقد زاد عدد منتقديها من العاضبين وتحديدا من الغاضبات عليها وخصوصا ان قوائم المكرمات بدت عليها بصمات سايكولوجيا الطموح الشخصي النسائي.
وفي مقابل حفلات التكريم لاسماء هي في كثير من الاحيان من خارج الجامعة ومن خارج الحقل الاكاديمي فان العاملين في الجامعة وخصوصا أن الجامعة التي انشات في منتصف سبعينيات القرن الماضي وما زال بعض من يعملون بها قد ساهموا وشاركوا ليس علميا فقط في مسيرتها، بل وحدث ان شارك بعضهم في لحظات التاسيس وبناء كلياتهم، بل اجزم ان هناك من كان منهم يعمل جنبا الى جنب مع عمال الحدادة والنجارة وهم يستكملون تشييد مبانيها. فهؤلاء من الجيل المؤسس يرقب وبكثير من الحزن والخيبة حفلات التكريم واعراسها وتعليلاتها المستمرة والاحتفاء باناس لا يعرفون بالضبط ما قدموه، وما قدمن من عمل وعطاء للجامعة. أسماء كثيرة في كليات كثيرة تستحق أن تكرم.
وعلى المستوى الشخصي، فقد حصل وأن عايشت قصة ما تزال تثير الكثير من المرارة والغضب في نفسي وهي تستحضر هنا من باب خدمة المؤسسة والجامعة والوطن. فقبل حوالي العام والنصف حدث أن قرر الاستاذ الدكتور عبدالرزاق بني هاني أن يغادر الجامعة مقدما استقالته منها. فتم قبول الاستقالة بالرغم من امكانية استمراره بالعطاء في المؤسسة. ولمن لا يعرف هذه الشخصية، فيكفي ان يبحث في المكتبة ليعرف أننا نتحدث عن شخصية تنوعت اسهاماتها الكبيرة، ففي الحقل العلمي احتفل مجمع اللغة العربية (وليس جامعة اليرموك) قبل اشهر باكتمال جهد العلامة بني هاني على معجم اللغة العربية الاقتصادي ليكون المؤلف رقم 35 ضمن قائمة كتبه القيمة، ناهيك عن عشرات المقالات في أهم المنشورات العالمية ذات المصداقية والموثوقية.
وعلى المستوى الوطني فقد خدم الرجل الدولة والناس في البلاد حين شغل موقع امين عام وزارة التخطيط، كما شغل موقع رئيس جامعة أهلية. واما على مستوى الايادي البيضاء في اليرموك، فبالاضافة إلى الاف ساعات العمل مع الطلبة والزملاء والادارة في خدمة الجامعة، ففي رصيد الاستاذ بني هاني وخلال السنة ونصف الاخيرة من خدمته في الجامعة تبرعات يبلغ حجمها 300 الف دينار جمعها مستثمرا علاقته وسمعته الطيبة كي يرفد خزينة الجامعة. وفي رصيده أيضا مبلغ خمسة ملايين دينار سابقة كان له الفضل في تأمينها كي يكتمل مشروع بناء مكتبة الجامعة. وفي رصيده الانساني الكبير تمويله تجهيز قاعتين كبيرتين حديثتين في مبنى الاقتصاد في الجامعة من دخله الخاص بمبلغ يزيد عن عشرين الف دينار كان يمكن له أن يفضل ان ينفقها في استبدال بيته المكون من شقة قديمة في عمان ليسكن في فيلا أكثر رفاهية.
وأما ما يثير الحزن بعد كل هذه التفاصيل المتعلقة بالاستاذ بني هاني، فهي أن الرجل قدم استقالته وقبلت بسهولة حزينة. وخسرت الجامعة مصدرا بشريا كبيرا حقيقيا ومجربا. والحزين أن الرجل غادر دون أن يحظى حتى باستقبال في مبنى الرئاسة أو في مبنى الكلية التي عم خيره فيها، ليس كي يقال للرجل شكرا، ولكن كي نرى المؤسسة وهي تكرم نفسها وتحتفي بمن يبني فيها، وبمن يساهم في نموها وازدهارها. أجزم أن نموذج الاستاذ بني هاني ليس استثناءا في الحالة اليرموكية. فقائمة من قدموا خيرا عميما للجامعة تطول بعضهم ما زال على قيد الحياة، وبعضهم غادر الدنيا جسدا ولكن أثره بقي في مباني الجامعة وعلى السنة العاملين فيها، وكلهم أو جلهم غادروا الحرم الجامعي الى بيوتهم والغصة تملأ قلوبهم.
ولان موضوعة التكريم ليست مجردة ممارسة اخلاقية تتعلق بتكريس صفة خلقية او قيمة اخلاقية تشتمل على فكرة ان من يفعل خيرا للمؤسسة يجب أن يحصل هو على تعويض او مردود نفسي يفيه حقه لقاء ما قدمه للمؤسسة، بل هي تتعدى الاخلاقي لتصل الى المهني والمؤسسي والاداري بل والاقتصادي والنفعي. ففكرة التكريم لا تعزز المنظومة الاخلاقية فقط بل هي جزء من العملية الانتاجية والاقتصادية والادارية والسياسية والاجتماعية والتربوية وهي باهمية التشريعات والتجهيزات والبني التحتية والموارد المالية التي تشتمل عليها المؤسسة.

  • Untitled 10

والحال، فان قرارات التكريم كما فلسفته، كما طقوسه، كما توقيته، كما اهدافه، كما قوائم المكرمين فقد آن أوان نقلها والعبور بها من تكتيكات الطامحات والطامحين الفردية والانانية والشخصية والشخصانية إلى استراتيجات وتكتيكاتي المؤسية والعلمية بل والاخلاقية والمهنية. كما بات من الضروري على من يصنعون السياسات في حقل التعليم العالي العمل الحثيث على اعادة تعريف الجامعة في السياق الاردني ، وما المطلوب منها، وما هي اهدافها، وما هي الاخلاقيات المرتبطة بها، ومن هو جمهورها، ومن .. ومن.. ومن.. الخ. فحين ترى جامعة تكرم شخصية من عالم الفيس بوك او التيك توك فهذا يعني ببساطة أن تعريف الجامعة لم يعد واضحا، وأن غموضا وخلطا وتشويشا اصاب المجتمع والاكاديميا وصناع القرار حول مفهوم الجامعة وتعريفها وماهيتها.
وعلى صعيد اليرموك، وكي ننتقل إلى المؤسسية على صعيد التكريمات، ربما صار من المهم تشكيل لجنة تتمتع بالكفاءة والسمعة الطيبة والخبرة الطويلة ترتبط بالرئاسة مباشرة تناط بها مهمة صياغة فلسفة التكريمات، والمصادقة على أسماء من يتم اقتراحهم لتكريمهم، كما تناط بها التحقق من اسماء من يقترحون لتكريمهم ومن اسباب اقتراح تكريمهم، كما تناط بها مراقبة طقوس التكريم، وبما يجعلها هي مسؤولة عن حسن سير اجراءات التكريم وتتحمل بالتالي اي انحراف يجري في موضوعة التكريم.



المصدر

السابق
وزير الأوقاف: حصة الأردن من موسم الحج المقبل 8 آلاف حاج
التالي
عقيل العجالين يكتب .. الاعتداء على فنزويلا وقانون جاستا الامريكي